حين يتديّن المدعو بالمقاطع لا بالمعاني

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : الدعوة الإلكترونية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 107
  • رقم الاستشارة : 4414
22/03/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ألاحظ في عملي الدعوي أن كثيرًا من الشباب يتأثرون بالمقاطع القصيرة والخطابات السـريعة في وسائل التواصل، يتحمسون فجأة، ثم يفتُرون بسـرعة، ينتقلون من رأي إلى آخر، ومن شيخ إلى آخر، ويكوّنون تصوّرات دينية متناقضة أحيانًا. أشعر أن الدعوة الإلكترونية صارت سطحية، وأن المدعو يعيش (تديّنًا لحظيًّا). فكيف نتعامل دعويًّا مع هذا النمط دون أن نصطدم به أو نحتقر وعيه؟

الإجابة 22/03/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الداعية الحصيف، وسؤالك هذا في صميم فقه المرحلة الرقمية، حيث لم يتغيّر الإنسان في جوهره، لكن تغيّرت سـرعة التلقّي وعمق المعالجة.

 

أولًا: فهم طبيعة الوعي الرقمي قبل الحكم عليه؛ والمدعو اليوم لا يفتقد الرغبة في الخير، لكنه يعيش في بيئة: سـريعة الإيقاع، ومتخمة بالمحتوى، وفقيرة في التدرّج فهو لا يرفض العمق، لكنه لم يتدرّب عليه بعد.. ومن الظلم الدعوي اتهامه بالسطحية الأخلاقية، بينما هو نتاج سـياق معرفي جديد.

 

ثانيًا: التديّن بالمقاطع ظاهرة لا خطيئة؛ المقاطع المختصـرة قد تكون بابًا لا منزلًا، وبداية لا غاية. وقد كان النبي ﷺ يبدأ أحيانًا بكلمة واحدة تهزّ القلب، ثم يُبنى بعدها الإيمان طويلًا، والإشكال ليس في الاختصار، بل في الاكتفاء به.

 

ثالثًا: خطأ الدعوة التصادمية مع هذا الجيل؛ فحين نقول للشاب: (هذا تديّن سطحي)، نغلق الباب، وحين نقول له: (دعنا ننتقل خطوة أعمق)، نفتح أفقًا، فالدعوة هنا ليست نقضًا، بل نقلاً تدريجيًّا من الإثارة إلى المعنى.

 

رابعًا: المنهج النبوي في بناء العمق، كما أنّ النبي ﷺ لم يُعطِ كل الصحابة العلم نفسه في الوقت نفسه، بل راعى القلوب والاستعدادات؛ فالعبرة ليست بكمّ المعلومات، بل بترسـيخ المعاني الكبرى: الله، الآخرة، الصدق، الرحمة، المراقبة.

 

خامسًا: استراتيجيات دعوية عملية لهذا النمط

 

O استخدم المحتوى القصير كبوابة للقاء أعمق.

 

O اربط كل فكرة جزئية بأصل إيماني كبير.

 

O كرّر المعاني لا المعلومات.

 

O لا تُكثر من القضايا الخلافية.

 

O قدّم نموذج (الاستمرار الهادئ) لا الحماسة المتفجرة.

 

سادسًا: من الواقع الدعوي؛ وكثير من المستقيمين اليوم بدأوا بمقطع، أو تغريدة، أو كلمة عابرة، ثم قادهم داعية حكيم إلى المسار الطويل، فالاحتقار الدعوي يقتل البذرة، والحكمة تسقيها.

 

وفي الختام، أسأل الله أن يرزقنا فقه الزمن، وبصيرة الخطاب، وأن يجعلنا دعاة بناء لا استهلاك، وهداية لا إثارة، وأن يُخرج من هذا الفضاء الرقمي جيلاً أعمق إيمانًا لا أسـرع انفعالاً.

 

روابط ذات صلة:

هل تكفي المواعظ لصناعة النهضة أم أننا بحاجة للفقه العميق؟

لماذا أصبح الكذب سلوكًا يوميًّا في «مجتمع متدين»؟

الرابط المختصر :