الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
6 - رقم الاستشارة : 5804
10/09/2026
ما حكم أداء صلاة الجمعة أو الجماعة عبر تقنيات البث المباشر التفاعلي أو العوالم الافتراضية لمن عجز عن الذهاب للمسجد لظروف صحية أو أمنية؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد
فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك، أن صلاة الجمعة والجماعة من أعظم شعائر
الإسلام، وقد شُرعت لاجتماع المسلمين وتآلفهم في مكان واحد وهو المسجد. ومع التطور
التقني الهائل وظهور البث المباشر وعوالم الواقع الافتراضي، كثر التساؤل حول مدى
جواز توظيف هذه التقنيات لأداء الشعائر عن بُعد، خاصة لمن حبسهم العذر كالمرض أو
الخوف. إلا أن العبادات مبنية على التوقيف والاتباع لا الابتداع، ولها شروط وأركان
مادية لا تتحقق بمجرد الاتصال البصري أو السمعي الافتراضي.
اختصارا: لا يجوز شرعاً
أداء صلاة الجمعة أو الجماعة عبر تقنيات البث المباشر كالتلفاز أو الإنترنت أو عبر
العوالم الافتراضية، سواء كان ذلك للأصحاء أو لأصحاب الأعذار لظروف صحية أو أمنية.
فالصلاة خلف الشاشات تفتقد لشرط جوهري لصحة الاقتداء، وهو "اتحاد
المكان" و"اتصال الصفوف".
ومن عجز عن
حضور صلاة الجمعة أو الجماعة في المسجد لعذر صحي كمرض مُقعد أو وباء أو أمني كخوف
على النفس، فقد خفف الله عنه، وسقطت عنه الجمعة، ووجب عليه أن يصليها في مكانه
"ظهراً" أربع ركعات، وله أن يقيم صلاة الجماعة مع أهل بيته في مكانه،
ويكتب الله له أجر الجماعة في المسجد بنيته وعذره.
وتفصيلا:
لم تكن
التقنيات الحديثة موجودة قديماً، لكن الفقهاء أصلوا للمسألة من خلال شرط اتصال
الصفوف وعدم وجود حائل ضخم يمنع التواصل بين الإمام والمأموم.
مذهب الحنفية: اشترطوا اتحاد
المكان لصحة الاقتداء. قال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع: "ومنها أي شروط
صحة الاقتداء اتحاد مكان الإمام والمأموم، ولأن الاقتداء يقتضي التبعية في
الصلاة... والتبعية في المكان من توابع التبعية في الصلاة فكان اختلاف المكان
مانعاً من صحة الاقتداء".
مذهب المالكية: قال الإمام
الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: "فإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري
فيه السفن أو طريق... بطلت صلاة المأموم". وهذا يدل على انقطاع التبعية
بانقطاع المكان.
مذهب الشافعية: قال الإمام
النووي في المجموع شرح المهذب: "إذا صلى في المسجد بصلاة الإمام فيه وهو عالم
بصلاته كفاه ذلك وصح اقتداؤه... فإن كان أحدهما خارج المسجد والآخر فيه أو كانا
خارجين... شُرط ألا يكون بينهما حائل يمنع المرور".
مذهب الحنابلة: قال الإمام
ابن قدامة في المغني: "ويشترط ألا يكون بين الإمام والمأموم حائل يمنع رؤية
الإمام أو من وراءه... ولأن المأموم إذا لم ير الإمام ولا من وراءه لم يمكنه
الاقتداء به". والمسافة في البث المباشر تقطع هذا الاتصال الحقيقي.
ثانياً: آراء
المجامع الفقهية والعلماء حديثاً في النوازل:
اتفقت كلمة
علماء العصر والمجامع الفقهية الكبرى خاصة إبان جائحة كورونا التي شكلت عذراً
صحياً عاماً على بطلان الجمعة والجماعة عبر وسائل الاتصال
وفي الموسوعة
الفقهية الكويتية، ج ٩، ص ٥٧
"الاقتداء
بالإمام عبر المذياع: لا يصح الاقتداء بالإمام عبر المذياع أو التلفاز في صلاة
الجمعة أو غيرها من الصلوات، وذلك للأسباب التالية:
عدم تحقق
الاتصال المكاني: يشترط لصحة الاقتداء أن يكون الإمام والمأموم في مكان واحد، أو في
أماكن متصلة اتصالاً مباشراً، وهذا لا يتحقق في حالة المذياع حيث يكون الإمام في
مكان والمأموم في مكان آخر بعيد.
عدم تحقق
الرؤية أو السماع المباشر: الاقتداء يتطلب رؤية الإمام أو من خلفه، أو
سماع صوته مباشرة، والمذياع ينقل الصوت عبر وسيط، مما يقطع الاتصال المباشر.
عدم إمكانية
المتابعة الحقيقية: قد يحدث انقطاع في البث أو تأخير، مما يؤثر على
متابعة المأموم للإمام.
عدم تحقق
الجماعة: صلاة الجماعة والجمعة تقتضي الاجتماع الحقيقي للمصلين، وهذا لا يتحقق
بالصلاة خلف المذياع.
حالات الضرورة: في حال
الضرورة القصوى التي تمنع المسلم من حضور صلاة الجمعة في المسجد، مثل المرض الشديد
أو الخوف على النفس أو المال، فإنه يسقط عنه وجوب صلاة الجمعة، ويصليها ظهراً أربع
ركعات في بيته. ولا يجوز له أن يصليها جمعة خلف المذياع.
مجمع الفقه
الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي: في قراراته المتعلقة بالنوازل،
أكد على أن الاقتداء بالإمام عبر المذياع أو التلفاز أو وسائل الاتصال الحديثة لا
يجوز، لانعدام شرط اتحاد المكان واتصال الصفوف.
هيئة كبار
العلماء بالسعودية: أصدرت اللجنة الدائمة للفتوى قراراً برقم 21151 جاء فيه:
"لا يصح اقتداء المأموم بالإمام في الصلاة بواسطة المذياع أو التلفاز... لأن
من شرط صحة الجماعة اتحاد المكان، بحيث يتمكن المأموم من متابعة إمامه بالرؤية أو
سماع الصوت دون حائل".
مركز الأزهر
العالمي للفتوى الإلكترونية: أصدر بياناً تفصيلياً إبان الجائحة نص فيه على:
"صلاة الجمعة لا تنعقد خلف المُذياع والتِّلفاز والإنترنت... ومن تخلَّف عن
الجمعة لعذرٍ، كمرضٍ، أو خوفٍ على نفسٍ أو مالٍ؛ صلَّاها ظُهرًا 4 ركعات في
بيته".
القواعد
الفقهية الحاكمة:
"الأصل في
العبادات التوقيف": العبادات لا يجوز إحداث طرق جديدة لأدائها لم
ترد عن النبي ﷺ وصحابته، وتفريغ صلاة الجماعة من التواجد البدني يفرغها من مقصودها
الشرعي.
"المشقة
تجلب التيسير": وتطبيق هذه القاعدة هنا ليس بتشريع صلاة
افتراضية باطلة، بل التيسير الشرعي هو إسقاط صلاة الجمعة عن المعذور والمريض
والخائف، واستبدالها بصلاة الظهر في بيته.
"الشرط
يلزم من عدمه العدم": اتحاد المكان واتصال الصفوف شرط لصحة الجماعة،
فإذا عُدم هذا الشرط كما في البث المباشر لتفرّق الأمكنة واختلاف البلدان والأوقات
أحياناً انعدمت صحة الصلاة.
"الرخص لا
تتعدى مواضعها": الرخصة الواردة للمريض والخائف هي ترك الجمعة
والجماعة، ولا يجوز أن نبتدع رخصة أخرى كالصلاة خلف التلفاز لأنها تناقض مقاصد
الشريعة في الاجتماع.
والله تعالى أعلى وأعلم