الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
22 - رقم الاستشارة : 6125
18/10/2026
شاب مراهق يحقق دخلاً مالياً حقيقياً من خلال بيع "الأسلحة الافتراضية" والدروع وتطوير الحسابات في ألعاب إلكترونية عنيفة (مثل ببجي وكول أوف ديوتي) للاعبين آخرين. هل هذا المال المكتسب من ترويج أدوات "العنف الافتراضي" يُعد كسباً حلالاً؟ وهل يأثم شرعاً بتضييع أمواله إذا حطم شاشة اللعب غضباً بعد خسارته في معركة افتراضية؟
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً
وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وقد أفرزت التطورات الحاسوبية المعاصرة نوازل فقهية
جديدة، منها "الاقتصاد الافتراضي" داخل الألعاب الإلكترونية، حيث أصبحت
الأصول الرقمية كالحسابات، والأسلحة الافتراضية، ومستويات اللعب ذات قيمة مالية
حقيقية تُباع وتُشترى. وتخضع هذه المعاملات في الشريعة الإسلامية لطبيعة اللعبة
ذاتها؛ فإن كانت اللعبة مباحة كان التكسب منها مباحًا، وإن تضمنت محاذير شرعية أو
أدت إلى مفاسد راجحة، انسحب حكم التحريم أو الكراهة على التكسب منها.
اختصارًا:
على
شباب الأمة الإسلامية خصوصًا، والشباب عمومًا أن يركزوا جهودهم وينفقوا أموالهم
على ما يعود بالنفع الحقيقي على الأمة والعالم، أما العبث والغثاء فإن لاقى رواجًا
عند شباب أمة ممكّن لها في الأرض مرفوعة راياتها، مسموعة كلمتها، فإنه لا يليق
بشباب أمة مهضومة الجناح مستباحة الحمى.
أما
التكسب من هذه الألعاب فبيع الأسلحة الافتراضية وتطوير الحسابات في هذه الألعاب
يعد جائزًا شرعًا بشرطين أساسيين:
· خلو اللعبة من المحاذير الشرعية كالقمار، والشركيات، وكشف العورات.
· ألا تؤدي هذه الألعاب إلى تضييع الواجبات كالصلاة أو الإضرار النفسي
والجسدي باللاعب، والواقع يقرر أن توافر هذه الشروط مستحيل أو نادر.
والعنف
الافتراضي في سياق الألعاب القتالية الاستراتيجية لا يُعد مُحرمًا لذاته ما لم
يتعدَّ ضرره للواقع.
حكم
تحطيم الشاشة عند الغضب: يُعد هذا الفعل محرمًا شرعًا ويأثم فاعله؛ لأنه يجمع بين
مذمومين: الاستسلام للغضب المنهي عنه، وتعمّد "إضاعة المال" الذي حرمه
الإسلام تحريمًا قاطعًا.
وتفصيلاً:
أولاً:
حكم بيع الأصول الافتراضية وتطوير الحسابات في الألعاب:
تكييفها
الفقهي: الحسابات والأدوات في الألعاب الإلكترونية تُعد "منافع" عند من ينتفع
بها، و"حقوقًا معنوية" لها قيمة مالية في العرف المعاصر. وقد أقر مجمع
الفقه الإسلامي الدولي أن الحقوق المعنوية كحقوق الابتكار والتأليف والحقوق
الرقمية تُعد أموالاً متقومة يجوز الاعتياض عنها بيعها.
حكم
الألعاب القتالية والعنف الافتراضي: الأصل في الألعاب الإلكترونية
الإباحة متى خلت من المحرمات. الألعاب القتالية الاستراتيجية لا تُعد من
"العنف المحرم" بل تُلحق بألعاب المهارة والتخطيط، وقد أجازت دور
الإفتاء المعاصرة مثل دار الإفتاء المصرية ودائرة الإفتاء الأردنية ممارسة هذه
الألعاب وبيع حساباتها، لكنها قيدت ذلك بضوابط صارمة منها:
· ألا تحتوي اللعبة على طقوس شركية مثل تعظيم الأصنام أو السجود لغير
الله للحصول على أسلحة.
· ألا تعتمد على الميسر القمار في شراء صناديق الحظ المجهولة بالمال
الحقيقي.
· ألا تدفع اللاعب إلى إدمان يضيع الصلوات، أو يعقّ الوالدين، أو يزرع
فيه عدوانية تنعكس على سلوكه الواقعي.
فإذا
تحققت هذه الضوابط، فالمال المكتسب من بيع الأسلحة الافتراضية وتطوير الحسابات
حلال، وهو بمثابة أخذ أجر على عمل إجارة أو بيع منفعة.
ثانيًا:
تحطيم شاشة اللعب غضبًا من الخسارة:
هذا
الفعل مُحرم شرعًا ومخالف لهدي النبي ﷺ لسببين:
إضاعة
المال: الشاشة مالٌ متقوّم، وقد نهى الشارع الحكيم عن إتلاف الأموال بغير حق. ففي الحديث
المتفق عليه، قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ
وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ». وتحطيمها في لحظة غضب هو
من أظهر صور إضاعة المال المحرمة والسفه في التصرف.
الاستسلام
للغضب المذموم: المسلم مأمور بضبط النفس. قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ
الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ
الْغَضَبِ» متفق عليه. والغضب الذي يؤدي بالمرء إلى فقدان عقله وإتلاف ممتلكاته هو
من نزغات الشيطان التي يجب الاستعاذة منها ومعالجتها.
القواعد
الفقهية الحاكمة في تطوير وبيع الحسابات في الألعاب الإلكترونية:
الأصل
في المعاملات الإباحة: لا يُحرم بيع أو شراء أي منفعة أو أداة
افتراضية إلا بنص أو علة واضحة.
الوسائل
لها أحكام المقاصد: بيع أدوات اللعبة وسيلة، فإن كانت اللعبة
مباحة ومنضبطة، فالبيع مباح، وإن كانت اللعبة محرمة، حَرُم بيع أدواتها.
الضرر
يُزال/ لا ضرر ولا ضرار: إذا ثبت طبيًّا أو واقعيًّا أن اللعبة
تسبب ضررًا نفسيًّا بالغًا كعدوانية حقيقية يُمنع اللعب بها، ويُمنع التكسب منها
دفعًا للضرر.
النهي
عن إضاعة المال: قاعدة قطعية تمنع المسلم من إتلاف ممتلكاته عبثًا أو
تحت تأثير الانفعال. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
ابني يتربح من الألعاب الإلكترونية.. عمارة الأرض أولى