حكم إخراج الزكاة والصدقات عبر بطاقات التسوق الإلكترونية

الإستشارة 10/09/2026

ما حكم إخراج زكاة الفطر أو الكفارات عبر بطاقات التسوق الإلكترونية أو المشفرة الموجهة لمنافذ محددة مسبقاً؟

الإجابة 10/09/2026

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد

فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك، أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، ومبنية على تحقيق المصالح ودرء المفاسد. ومن محاسن هذا الدين استيعابه للمستجدات والنوازل وتكييفها فقهياً بما يحقق مقاصد العباد. وزكاة الفطر والكفارات ككفارة اليمين والظهار وغيرها من الشعائر التعبدية التي شُرعت لمواساة الفقراء وسد حاجتهم. ومع التطور التقني في المعاملات المالية، ظهرت وسائل حديثة كالبطاقات الإلكترونية مسبقة الدفع والقسائم الشرائية، والتي تستدعي بياناً شرعياً يوضح مدى موافقتها لمقاصد هذه الشعائر.

اختصارا: يجوز شرعاً إخراج زكاة الفطر والكفارات، والزكاة والصدقات عبر بطاقات التسوق الإلكترونية أو القسائم الموجهة لمنافذ ومتاجر محددة، إلا إذا كان مخرج الزكاة هو صاحب المتجر، بحيث يرتد إليه جز من الزكاة في صورة أرباحه، بل قد يكون ذلك مستحباً ومفضلاً في زماننا إذا كانت هذه البطاقات مشروطة بشراء السلع الغذائية والأساسية فقط؛ لأنها تحقق مذهب الجمهور في إخراج "الطعام" وتمنع صرف الأموال في الكماليات أو الممنوعات. وتُكيّف هذه المعاملة فقهياً على أنها "حوالة" أو "وكالة" من المزكي للمتجر بتسليم الطعام للفقير. ويُشترط لصحتها أن يتمكن الفقير من استلام البطاقة والشراء بها في الوقت الشرعي المحدد قبل صلاة العيد لزكاة الفطر مثلا.

وتفصيلا:

كيف تتم هذه المعاملة؟

تتم هذه المعاملة عبر خطوات محددة تُخرجها من دائرة النقد المباشر إلى دائرة المنفعة أو الطعام.

الخطوة الأولى: يقوم المُزكي أو دافع الكفارة بشراء بطاقة أو قسيمة إلكترونية ذات كود مشفر من متجر محدد (سوبر ماركت أو جمعية خيرية) ويشحنها بمبلغ مالي يوازي قيمة زكاة الفطر أو الكفارة لعدد معين من الأشخاص.

تُبرمج هذه البطاقة تقنياً بحيث لا يقبل نظام المبيعات في المتجر صرف هذا الرصيد إلا في أقسام المواد الغذائية الأساسية كالأرز، التمر، الزيت، اللحوم، وتُرفض تلقائياً إذا حاول المستفيد شراء كماليات أو أجهزة إلكترونية أو ألعاب أو تبديلها بنقد.

ثم يُسلم المُزكي هذه البطاقة أو يرسل الكود للفقير المحتاج، ويذهب الفقير للمنفذ المحدد، ويختار الأصناف الغذائية التي تناسب احتياجه ضمن الرصيد المتاح، ويمرر البطاقة لدفع القيمة.

التكييف الفقهي: هذه العملية تُعد "توكيلاً" للمتجر بصرف الطعام للفقير، والبطاقة هي وثيقة إثبات لهذا الحق، وقبض البطاقة يقوم مقام القبض الحكمي للطعام.

وعلى رغم جواز وكفاءة الوسائل الإلكترونية، إلا أن الشريعة حثت على المباشرة في إيصال الصدقات متى ما تيسر ذلك وخلا من الحرج، لما فيه من مقاصد اجتماعية ونفسية عظيمة، منها:

تحقيق التكافل الشعوري: فلقاء المزكي بالفقير يكسر حواجز الكبر في النفس، ويزرع التواضع والرحمة في قلب الغني.

تفقد الأحوال الحقيقية: الرؤية المباشرة تتيح للمزكي الوقوف على حجم معاناة الأسر، مما قد يدفعه لتقديم مساعدات إضافية تتجاوز الزكاة الواجبة إلى الصدقات التطوعية وتفريج الكربات.

إدخال السرور وجبر الخواطر: الابتسامة والكلمة الطيبة والمصافحة أثناء التسليم لها أثر نفسي على الفقير قد يفوق أثر المال نفسه، مصداقاً لقوله ﷺ: "تبسمك في وجه أخيك صدقة".

تربية الأبناء: اصطحاب الأبناء لتوزيع الزكاة والكفارات يغرس فيهم قيم العطاء وشكر النعم.

آراء العلماء في تأصيل المسألة:

توزيع الصكوك البطاقات القديمة: أصل هذه المسألة موجود قديماً فيما عُرف بـ "صكوك الأرزاق" التي كانت تُوزع في العهدين الأموي والعباسي ليستلم بها الناس طعامهم. قال الإمام مالك في "المدونة": "لا بأس أن تشتري صكوك طعام الجار المحتاج، وتتركه يقبض طعامه بنفسه".

مذهب الجمهور الشافعية والمالكية والحنابلة: اشترطوا إخراج زكاة الفطر والكفارات من الطعام غالب قوت البلد. وهذه البطاقات المقيدة بالمواد الغذائية تتوافق تماماً مع مذهبهم، لأن النقد دُفع للمتجر، بينما الذي يخرج للفقير في النهاية هو "طعام" يختاره بنفسه. قال الإمام النووي في المجموع: "لا تجزئ القيمة في زكاة الفطر... بل يجب إخراجها من القوت".

مذهب الحنفية واختيار ابن تيمية: أجاز الحنفية إخراج القيمة النقود للحاجة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: 25/82: "إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة الراجحة لا بأس به". والبطاقة الإلكترونية تجمع بين المصلحة الراجحة للفقير اختيار طعامه وبين تحقيق النص إخراج الطعام.

في فتاوى دائرة الإفتاء العام الأردنية قرار رقم 261: "دفع زكاة الفطر والكفارات عن طريق البطاقات الممغنطة والقسائم الشرائية التي تُصرف من أسواق محددة جائز شرعاً؛ لأنها بمثابة توكيل للأسواق بتسليم الفقراء طعاماً أو كسوة، وهذا يحقق الغاية الشرعية وهي سد حاجة الفقير، بل هو أيسر عليه ليختار ما يناسبه من الطعام".

دار الإفتاء المصرية: أصدرت فتاوى متطابقة بجواز إخراج الكفارات والزكوات عبر القسائم الكوبونات التموينية، واعتبرتها من باب التيسير وحفظ كرامة الفقير، بشرط أن تكون القسيمة مغطاة برصيد فعلي ومتاحة للاستخدام الفوري.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية: أجازت التوكيل في الزكاة للجمعيات والجهات الموثوقة التي تستخدم وسائل حديثة لإيصال الطعام للفقراء، شريطة أن يتم تسليم الطعام أو تمكين الفقير منه عبر البطاقة قبل صلاة العيد في حال زكاة الفطر.

القواعد الفقهية الحاكمة:

"الأمور بمقاصدها": مقصد زكاة الفطر والكفارات هو إغناء الفقير وإطعامه، والبطاقات الإلكترونية تحقق هذا المقصد بامتياز ودقة.

"العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني": وإن سُميت بطاقة أو قسيمة، فإن معناها ومقصدها الفقهي هو حوالة أو وكالة باستلام طعام عيني، فتأخذ حكم استلام الطعام.

"الوسائل لها أحكام المقاصد": لما كان إيصال الطعام للفقير واجباً، كانت الوسيلة الحديثة المضمونة والمحفظة لكرامته كالبطاقة جائزة، بل وتأخذ حكم الاستحباب لكونها أداة لتحقيق الواجب.

"سد الذرائع": تقييد البطاقات بنظام المتاجر بحيث لا تُصرف إلا في المواد الغذائية الأساسية، يسد ذريعة تلاعب بعض الفقراء بالمال النقدي أو إنفاقه في محرمات أو كماليات تخل بمقصد الكفارة والإطعام.

"المشقة تجلب التيسير": نقل الأكياس وحمل الحبوب وتخزينها قد يشق على المزكي والفقير في المدن الحديثة، فكانت هذه البطاقات تيسيراً يتوافق مع روح الشريعة.

والله تعالى أعلى وأعلم

التعليقات

الرابط المختصر :