الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الحياة الزوجية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
341 - رقم الاستشارة : 3560
13/12/2025
السلام عليكم ورحمة الله انا زوجي تزوج علي.. كانت بيننا مشكلات بسيطة كالموجودة في كل بيت، وله صديق متزوج من زوجتين أعتقد أنه هو من زين له الموضوع..
أنا من وقت ما عرفت وأنا أشعر بكراهية شديدة له ونفور شديد منه وأتمنى أن أؤذيه وأؤلمه كما آلمني وأهدر كرامتي وسط اقاربي الذين لا هم لهم إلا الحديث عنه وعن زواجه الثاني..
بعضهم يقول لي اصبري وبعضهم يقول لي بصراحة لا نعرف كيف ستكملين حياتك.. أشعر ان بعضهم يشفق علي وبعضهم يسخر مني وأتلقى نصائح فيها سخرية مثل اهتمي بنفسك وغيري لون شعرك..
أنا قلبي محروق وحياتي كئيبة أنا مصرة على الطلاق لكن أشعر أن الطلاق لا يكفي ولن يشفي قلبي.. فما هو الحل؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.
كلمات رسالتك تدل بشكل واضح أنها مكتوبة تحت تأثير الصدمة وأنك تعانين من حالة غضب شديد، والغضب ثاني وأخطر المراحل بعد وقوع صدمة كبيرة، فالمرحلة الأولى هي الإنكار وعدم تصديق ما حدث، حتى تقولي لنفسك أكيد هناك خطأ في هذه المعلومة لو أن هناك من أبلغك الخبر، أو تنكري وتقولي لنفسك: هو أكيد يمزح وليست هذه الحقيقة لو كان هو من أخبرك.
دائرة الغضب
يبدو أنك تجاوزت مرحلة الإنكار وأفقت من أثر الصدمة لتقعي مباشرة في دائرة الغضب الملتهبة أحب الدوائر إلى الشيطان، حيث يبدو الصبر بعيدًا وحيث تتهمين من يدعوك للهدوء بأنه لا يشعر بك ولا بالنار التي تحرق قلبك كتلك السيدة التي فقدت طفلها وجلست أمام قبره تبكيه والبكاء في حد ذاته ليس محرمًا، لكنها كانت ساخطة غاضبة حانقة فلما مر بها النبي ﷺ ورآها على هذه الحال قال لها: "اتقي الله واصبري"...
السيدة لا تعرف النبي ﷺ وهي لا تريد نصحًا أو كلامًا من أي شخص لأنها تتصور أن ما تشعر به لن يشعر به أي إنسان آخر وأن الكلام عن الصبر سهل لشخص معافى؛ لذلك قالت للنبي ﷺ: إليك عني فإنك خلو من مصيبتي.. فلما عرفت أنه النبي ﷺ وجاءت تعتذر قال لها النبي: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
الصدمة التي نتأكد فيها من وقوع المصيبة ووقتها يكون السخط على أشده والغضب في أقصى درجاته، فإذا كانت المصيبة طفلاً غاليًا مات تحول الغضب والسخط إلى "لماذا مات؟ لماذا ابني بالذات؟...)، وإذا كانت المصيبة كمصيبتك امرأة جديدة تشاركك زوجك وأقارب يسخرون منك ومجتمع يشعرك بالنقص يتحول الغضب إلى "كيف أنتقم؟ كيف آخذ حقي؟ كيف أجعله يشعر بالندم على ما فعل ؟ كيف أقوم بإيذائه كما آذاني".
بعض النساء يبقى طويلاً في هذه الدائرة الملتهبة وبعضهن يخرجن منها إلى دائرة الحزن والكآبة المرحلة الثالثة لما بعد الصدمة، والمراحل لا تأتي بالتوالي، فقد تتزامن بعض المراحل، فأنت يغلب عليك الغضب ولكن يتوازى معه حزن واكتئاب.. لكن دعيني أحدثك عن إدارة هذا الغضب كيف يكون لأنه إن استمر سيحرقك أنت أولاً.
هل التعدد مصيبة؟
أختي الغالية، تعلمين أن التعدد تشريع إسلامي.. رخصة منحها الله تعالى بضوابط محددة أهمها القدرة والعدل، وعلى الرغم من ذلك فهو مؤلم بدرجات متفاوتة للمرأة بحسب درجة غيرتها، إلا أن الغيرة ليست هي المحدد الوحيد لهذا الألم، فالنظرة الدونية التي ينظر بها المجتمع للمرأة التي يتزوج زوجها وإشعارها أنها غير كافية أو ناقصة أو أن فيها عيبًا معينًا يمثل عبئًا إضافيًّا تعيشه المرأة المعاصرة لم يكن موجودًا فيما مضى وهذا ما تستشعرينه من كثير من دوائرك القريبة.. هذه الدوائر التي تشعرك أنك بلا كرامة إذا قبلت بهذا الوضع والتي تجعلك تتحسسين من أي كلمة والتي تحملك أعباء مضاعفة تفوق ألم الغيرة بمراحل.
قد تقولين لي ولماذا يشرع الله تشريعًا يؤلم المرأة ويثير غيرتها التي أوجدها في فطرتها؟ أقول لك هناك مقاصد كلية للشريعة لأجلها جاء هذا التشريع أهمها مقصد العفة، فالتشريع يراعي كافة الاحتياجات الإنسانية ويغلق أبواب الحرام ويمنح البدائل الحلال؛ لأن المجتمع النظيف هو غاية لن تتحقق إلا بوسائل وأدوات واقعية تراعي نفسية الإنسان وقدراته وطاقته لذلك أُبيح التعدد بضوابط تضمن العدالة.
هذا التشريع غير ملزم وغير إجباري إنما هو رخصة لمن يحتاجه لمشكلة أو احتياج يخصه هو، وليس لنقص في الطرف الثاني لكنه قد يؤلم هذا الطرف.. لكن هذا الألم ضرره أقل من الضرر الذي سيلحق المجتمع كله إذا كانت هناك أبواب خلفية تشيع الفاحشة.. إنها حكمة التشريع في التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة.
أختي الكريمة، نعم هناك تشريعات مؤلمة والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ من يحب القتال الذي قد يقتل فيه أو يفقد طرفًا من أطرافه أو يصاب بعاهة مستديمة ناهيك عن شدة القتال وقسوة القتال.. لا مصلحة فردية في القتال لكنها مصلحة الجماعة المسلمة للذود عن أمنها..
الأمر نفسه يحدث مع المرأة التي يتزوج زوجها تتألم وتغار وتشعر بالصدمة.. زواج زوجها يمثل لها مصيبة والمؤمن له نصيب من الابتلاء.. يبتلى كل إنسان على قدر إيمانه.. والمؤمن يرضى بقضاء الله.. يقبل به ويدعو الله أن يخفف عنه آثاره (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا).
نعم -أنت غاليتي- قد أصابتك مصيبة لا أقلل من ذلك، فإذا كانت الشوكة مصيبة فما بالك بالغيرة والهم الحزن (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) فهل ما حدث هو شر لك؟ هل يكتب لك رب العالمين الشر؟ أبدًا لا يمكن (عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له! وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له).. وأنت أصابك الضراء فإن أردت الخير فلا بد من الصبر.
الصبر نقطة الارتكاز الأساسية في مواجهة المصائب والصدمات أيًّا كان نوعها (ومَن يَصبِرْ يُصبِّرْه اللهُ، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسَعُ مِنَ الصَّبرِ).
غيّري أفكارك
قد تقولين كيف أصبر؟ أنا غير قادرة على الصبر.. ألا يحق لي طلب الطلاق؟ وكيف أتخلص من رغبتي الشديدة الملحة في الانتقام؟
سأجيبك عن كل هذه الأسئلة في استشارة منفصلة فكل ما أريده منك الآن أن تغيري أفكارك تجاه ما حدث لك:
* أنت تعرضت لمصيبة مؤلمة ووقعت تحت تأثير صدمة عنيفة أفقدتك صوابك في التفكير.
* أنت لست شخصية شريرة أو مؤذية، لكن الشيطان استغل وقوعك تحت تأثير هذه الصدمة ليوسوس لك بأفكار الإيذاء والانتقام.
* التعدد تشريع إلهي لا يعترض عليه مؤمن أو مؤمنة له ضوابط تحدد عدالة تطبيقه، وهو ليس ملزمًا لكنه مباح ولا يشترط لاستخدامه أن يعاني الزوج مع زوجته، واستخدام هذا التشريع لا يعني أن هناك نقصًا أو عيبًا في الزوجة الأولى.
* من حق الزوجة الأولى طلب الطلاق إذا تضررت والمسألة نسبية.
* قرار الطلاق قرار خطير للغاية (أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة)، ولا شك أن الكراهية والنفور وعدم القدرة على منحه حقوقه الشرعية تعد بأسًا.
* لأن قرار الطلاق خطير ولأن البأس لا بد أن يكون حقيقيًّا وليس متوهمًا، فالقرارات السريعة الانفعالية هي غالبًا قرارات خاطئة؛ لذا يجب أخذ الوقت الكافي في التفكير وتقييم الموقف.
* التعامل مع صدمة الزواج الثاني كمصيبة يجب الصبر عليها يكفر السيئات ويرفع الدرجات، وحتى أشرح لك طرقًا عملية للصبر أكثري من قولك "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها"، خاصة كلما وسوس لك الشيطان بأفكار الانتقام.
روابط ذات صلة:
دمر حياتي الزوجية.. كيف أنتقم منه؟
تعدد الزوجات: بين إباحة الشرع وحظر القانون