الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
24 - رقم الاستشارة : 6084
11/10/2026
نحن مجموعة من النساء، عددنا عشر نساء، اتفقنا على عمل ما نسمّيه «جمعية» مالية، بحيث تدفع كل واحدة منا مبلغ 100 دولار شهريًا، فيكون مجموع المبلغ 1000 دولار كل شهر. في بداية الجمعية نكتب أسماء النساء العشر، ثم نجري قرعة لتحديد ترتيب استلام المبلغ. فمثلًا يخرج اسم سمر في الشهر الأول، وهدى في الشهر الثاني، وفاطمة في الشهر الثالث، وعبير في الشهر الرابع، وهكذا حتى تكتمل أسماء النساء العشر.
وفي كل شهر تدفع كل واحدة مبلغ 100 دولار، فيتجمع مبلغ 1000 دولار، ويُعطى كامل المبلغ للمرأة التي جاء دورها في ذلك الشهر حسب ترتيب القرعة. وفي الشهر التالي يجمع المبلغ نفسه ويُعطى للمرأة الثانية، وهكذا حتى تنتهي الأشهر العشرة، فتكون كل واحدة قد دفعت مجموع 1000 دولار، واستلمت في أحد الأشهر مبلغ 1000 دولار. ولا توجد في الجمعية أي زيادة مالية أو فائدة أو ربح لأي واحدة؛ فالمبلغ الذي تدفعه كل امرأة خلال الأشهر العشرة هو في مجموعه 1000 دولار، والمبلغ الذي تستلمه عندما يأتي دورها هو 1000 دولار فقط.
والسؤال هو: ما الحكم الشرعي لهذه الجمعية؟ هل هذه المعاملة جائزة شرعًا؟ أم أنها تدخل في باب القرض الذي جر منفعة، أو فيها شبهة ربا؟ وما وجه الحكم الشرعي فيها؟
أما موضوع الضيافة والزيارات فهو أمر منفصل تمامًا عن الجمعية: عندما يأتي دور إحدى النساء في استلام مبلغ الجمعية، قد تقوم بدعوة بقية النساء إلى منزلها وتقدم لهن الحلوى والضيافة باعتبارها مناسبة اجتماعية، ثم يستلمن منها أو يسلمنها المبلغ بحسب نظام الجمعية. لكن الضيافة ليست شرطًا في الجمعية، ولا يوجد اتفاق بين النساء على أن من تستلم مبلغ الجمعية يجب عليها أن تقدم ضيافة، ولا تُطلب منها الضيافة مقابل حصولها على المال، وليست هناك منفعة مالية أو عوض إضافي مرتبط بالجمعية.
والسؤال الثاني، بشكل مستقل: هل مجرد قيام المرأة التي جاء دورها باستقبال النساء وتقديم الضيافة لهن، إذا كان ذلك من باب العادة والمجاملة الاجتماعية وليس شرطًا أو اتفاقًا في الجمعية، يؤثر في حكم الجمعية أو يجعلها من «القرض الذي جر منفعة»؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريم، حرصكم
على تحري الحلال في تعاملاتكم المالية دليل على يقظة الضمير وصحة القصد والشريعة
الإسلامية مبنية على التيسير في باب المعاملات، والأصل فيها الحل والإباحة ما لم
تتضمن محظورًا شرعيًّا كالربا أو الغرر، والتعاون بين الناس لسد الحاجات المالية
بالطرق المشروعة من مقاصد الشرع الشريف.
اختصارًا:
الجمعية
كما تسمى في مصر والخليج وبلاد الشام، أو السُّلفة باللهجة العراقية، أو القرعة في
بلاد المغرب، أو الصندوق كما في السودان، بالصورة المذكورة معاملة جائزة شرعًا ولا
حرج فيها، وتكيّف فقهيًّا على أنها "قرض حسن" متبادل بين المشتركات؛
لانتفاء أي زيادة أو فائدة مشروطة، فكل مشتركة تدفع وتسترد نفس المبلغ.
أما
الضيافة التي تقدمها من تقبض الجمعية، فبما أنها غير مشروطة في الاتفاق، وتجري
مجرى العادات والمجاملات الاجتماعية، فلا تؤثر على جواز المعاملة، ولا تدخل في باب
"كل قرض جر منفعة فهو ربا"؛ لانتفاء شرط المنفعة ولأن المنفعة هنا غير
تعاقدية، وأيضًا لأنها عادة متبعة سواء كانت هناك معاملة مالية أو بدون معاملة.
وتفصيلاً:
أولاً:
التكييف الفقهي للجمعية وحكمها:
تعتبر
هذه المعاملة (التي اصطلح على تسميتها بجمعية الموظفين أو الأصدقاء) عقدًا يجمع
بين "القرض" و"الاستقراض". فمن تأخذ المبلغ في الأشهر الأولى
تكون مقترضة، وما تدفعه لاحقًا هو سداد لقرضها. ومن تأخذ في الأشهر الأخيرة تكون
مقرضة في البداية، ثم تسترد قرضها في النهاية.
وبما
أن المبالغ المدفوعة والمقبوضة متساوية تمامًا (1000 دولار تدفع على أقساط، وتُقبض
1000 دولار دفعة واحدة)، فلا وجود للربا هنا؛ لأن الربا يتحقق باشتراط الزيادة،
وهو مفقود. بل هي من التعاون على البر، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى
الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
ثانيًا:
أقوال علماء مصر ودار الإفتاء المصرية في الجمعية:
استقرت
الفتوى في مصر لدى كبار العلماء ومؤسسات الفتوى على الجواز، ومن ذلك:
دار
الإفتاء المصرية: أصدرت الدار فتاوى تقضي بأن: «جمعية الموظفين المتعارف عليها
جائزة شرعًا ولا حرج فيها، وهي من قبيل القرض الحسن... وليس فيها شيء من الربا؛
لأن المبالغ التي تُدفع تُسترد كما هي دون زيادة أو نقصان، ولا ينطبق عليها قاعدة
"كل قرض جر منفعة فهو ربا"؛ لأن المنفعة هنا ليست مشروطة بزيادة مالية،
بل هي منفعة متبادلة بالتساوي».
لجنة
الفتوى بالأزهر الشريف: أكدت أن هذه الجمعيات تدخل في باب التكافل الاجتماعي
والتيسير، وتخلو من الغرر والجهالة المحرمة، وتعد حلاً مباحًا بديلاً عن القروض
الربوية.
ثالثًا:
حكم الضيافة المرافقة للجمعية:
القاعدة
الشرعية التي تمنع المنفعة في القرض (كل قرض جر منفعة فهو ربا) يشترط لتطبيقها أن
تكون المنفعة مشروطة في العقد، أو ملزمة عرفًا كشرط مالي مقابل القرض.
أما
في حالتكم: فالضيافة غير مشروطة، ولا تطلب كعوض، بل هي مجرد عادة اجتماعية
للاحتفاء بالضيوف، وجميع المشتركات يتبادلن موقع "المقرض"
و"المقترض"، فالمنفعة وهي الضيافة ليست حكرًا على المقرض دون المقترض،
بل هي موزعة بالتبادل.
وقد
ثبت أن النبي ﷺ استسلف من رجل بَكْرًا (إبلاً فتية)، فلما جاء وقت السداد أعطاه
أفضل منه وقال: «إن خياركم أحسنكم قضاءً» (رواه مسلم). فدل على أن الإحسان عند
قضاء الدين أو استلامه بلا شرط مسبق جائز ومندوب.
القواعد
الفقهية الحاكمة في الجمعية:
الأصل
في المعاملات الإباحة: ما لم يرد نص يحرم المعاملة، فهي على أصل
الجواز.
كل
قرض جر منفعة مشروطة فهو ربا: قيد العلماء القاعدة بـ
"المشروطة" أو التي في حكم المشروطة كالعرف الملزم بالعوض المالي، أما
الهدايا والضيافة العابرة بلا شرط فلا تدخل فيها.
المعروف
عرفًا كالمشروط شرطًا: وهذا يُطبّق في الأعراف التي تلزم الناس
وتصبح جزءًا من التعاقد، أما مجرد العادات الاجتماعية في الكرم وحسن الاستقبال فلا
تعتبر شرطًا تعاقديًّا يفسد العقود. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
جمعية الموظفين بين التحريم المطلق والإباحة المنضبطة