الاستغفار أثناء الانشغال بأعمال أخرى

Consultation Image

الإستشارة 04/01/2026

أريد أن أستغفر حتى وأنا ماسك الهاتف أليس في ذلك ذنب أو بالعكس يجوز ؟ علما أني لا أشاهد فيه و لا أتابع فيه ما حرم الله.

الإجابة 04/01/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن واله، وبعد:

 

فلا مانع شرعًا من الذكر والدعاء عندما يقوم المسلم بعمل آخر مثل قيادة السيارة أو عند ممارسة الرياضة أو التسوق أو القيام بأي عمل بدني آخر، أما عند استعمال التليفون فقد يختلف الأمر باستعمال التليفون فإن كان يسمع شيئًا مباحًا أثناء الاستغفار فلا مانع أيضًا، أما إن كان يركز في قراء مقالة علمية أو حل مسألة رياضية فلا يستطيع الجمع بين الذكر والدعاء وبين الاستغراق في القراءة أو التفكير ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ...﴾ [الأحزاب: 4]، لكن على أية حال لن يكون الدعاء والاستغفار ذنبًا، والذكر والدعاء مستحب في كل الأحوال، وإن كان حضور القلب أثناء الذكر والدعاء أولى.

 

الأصل الشرعي للذكر ودليله

 

الأدلة من القرآن والسنة تدل على أن الأصل هو الإكثار من ذكر الله في كل الأوقات وعلى كل الأحوال، والاستغفار نوع من أنواع الذكر، ومن الأدلة على ذلك.

 

1- عموم الأمر بالذكر: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الأحزاب: 41-42). والأمر هنا جاء مطلقًا وعامًّا، فشمل كل الأوقات والأحوال إلا ما استثناه الدليل.

 

2- ثناء الله على الذاكرين في كل أحوالهم، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: 191). قال الإمام الطبري في تفسيره: "هذه الآية نعتٌ لأولي الألباب... بأنهم يذكرون الله في كل أحوالهم: في حال قيامهم وقعودهم واضطجاعهم"، وهذا يشمل حال انشغالهم بأعمالهم ما لم تكن معصية.

 

3- فعل النبي ﷺ: كان النبي ﷺ، وهو المشرّع لنا بفعله، "يذكر الله على كل أحيانه" (رواه مسلم). أي في جميع أوقاته وأحواله، وهذا هو المعنى الذي فهمه شُرّاح الحديث.

 

متى يُكره الذكر أو يُمنع؟

 

الأصل هو الجواز والاستحباب، لكن العلماء استثنوا حالات قليلة يُكره فيها ذكر الله تعظيمًا لشعائره وتنزيهًا لاسمه الكريم. هذه الحالات محصورة جدًّا ولا تنطبق على غالب أعمالنا اليومية. من هذه الحالات:

 

1- عند قضاء الحاجة (في الحمام): أتفق العلماء على كراهة ذكر الله باللسان داخل الخلاء أو مكان قضاء الحاجة، من باب تعظيم اسم الله وتنزيهه عن الأماكن المستقذرة. أما ذكر القلب (بالتفكر) فلا حرج فيه.

 

2- عند الجماع: يُكره أيضًا ذكر الله باللسان في هذه الحالة.

 

3- في حالات الانشغال الشديد الذي يُذهب الخشوع تمامًا: كمن يقرأ القرآن أثناء عمل يتطلب تركيزًا عقليًّا عاليًا جدًّا (كمعادلات رياضية معقدة)، فقد يؤدي ذلك إلى تشتيت الذهن وعدم تدبر ما يقرأ. هنا، قد يكون من الأولى التركيز في العمل ثم تخصيص وقت للذكر بتدبر. ولكن الاستغفار والتسبيح ونحوهما من الأذكار الخفيفة على اللسان لا تدخل غالبًا في هذا الباب، بل هي مصاحبة للعمل وليست معارضة له.

 

ويمكن للمسلم أو المسلمة ذكر الله تعالى أثناء الأعمال اليومية المعتادة كقيادة السيارة، الأعمال اليدوية، المشي، الطبخ، الترتيب، أو الأعمال المكتبية التي لا تتطلب تركيزًا عقليًّا كاملاً في كل ثانية، كلها لا تتعارض مع الاستغفار باللسان، بل هي من أفضل الأوقات لاستغلالها بالذكر.

 

مرتبة حضور القلب

 

الذكر باللسان فقط دون حضور القلب  جائز ويُثاب عليه فاعله، ولا يُعد من اللغو. فإشغال اللسان بذكر الله خير ألف مرة من إشغاله بالغيبة أو الكلام الباطل أو حتى السكوت والغفلة.

لكن الأكمل والأفضل هو ما تواطأ عليه القلب واللسان، فهذا هو الذكر الذي تترتب عليه آثاره العظيمة من زيادة الإيمان وطمأنينة القلب. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).

 

فالنصيحة العملية هي ألا تترك ذكر اللسان بحجة غفلة القلب، بل اجعل ذكر اللسان سببًا ووسيلة لاستحضار القلب وجلبه من غفلته.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

10 مواضع يسنّ فيها الاستغفار.. متى وكيف تقول «سيد الاستغفار»؟

10 فوائد للاستغفار

الرابط المختصر :