الإعجاز العددي في القرآن الكريم.. حكمه وضوابطه

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
  • القسم : علوم القرآن والحديث
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 602
  • رقم الاستشارة : 3524
08/12/2025

شاع وذاع بين الناس في هذه الأيام ما يعرف بالإعجاز العددي في القرآن الكريم، ما المقصود بهذا الإعجاز، وما حكمه الفقهي ؟

الإجابة 08/12/2025

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

"الإعجاز العددي" يُقصد به: استنباط علاقات عددية رياضية بين آيات القرآن وكلماته وحروفه، والادعاء بأن هذه العلاقات المتناسقة والدقيقة هي دليل إعجازي إضافي على أن القرآن من عند الله، وأنه لم يكن ليخطر على بال بشر في زمن النبي ﷺ.

 

والخوض في الإعجاز العددي بهذا الشكل المتوسع والشائع اليوم هو أمرٌ محدث، خطير، وباب للزلل والقول على الله بغير علم، ويجب الحذر الشديد منه، بل وتركه والمنع منه. وهذا الحكم ليس من باب التضييق، بل من باب حماية قدسية القرآن الكريم.

 

القرآن كتاب هداية

 

والقرآن الكريم ليس كتابًا لمادة الرياضيات ولا العلوم ولا غيرها وإن كان يحوي بعض الإشارات في كثير من العلوم، لكن الإعجاز الحقيقي في زمان نزول القرآن كان الإعجاز البياني، تحداهم الله به وهم أهل اللغة والبيان والبلاغة والشعر فلم يأتوا بشيء من مثله.

 

أما في زماننا نحن فالقرآن معجز في هدايته للبشرية، معجز بتشريعه وأحكامه، وعلينا أن نخاطب الناس جميعًا بهذا الإعجاز فهي لغة يفهمها كل الناس على اختلافات ثقافاتهم ولغاتهم.

 

ويمكننا أن نضيف إلى هذا الإعجاز، إخبار القرآن عن الغيب ، والإعجاز العلمي بضوابطه دون الإسراف وتحميل الآيات ما لا تحتمله.

 

الأفضل عدم الخوض في الإعجاز العددي

 

ومسألة الإعجاز العددي من النوازل المعاصرة التي لم يتكلم فيها الأئمة المتقدمون بهذا الشكل، ولكن يمكن استنباط الحكم من خلال عرضها على قواعد الشريعة وأصول التفسير المعتبرة، والموقف الشرعي الذي نرتاح إليه هو عدم الخوض في قضايا الإعجاز العددي، وذلك للأسباب التالية:

 

أولاً: ليس من منهج السلف الصالح: لم يُنقل عن النبي ﷺ، ولا عن صحابته الكرام، ولا عن التابعين، ولا عن أي من أئمة التفسير المعتبرين أنهم اهتموا بهذا الجانب أو اعتبروه وجهًا من وجوه الإعجاز. ولو كان فيه خير وفائدة عظيمة، لكانوا أسبق الناس إليه، فهم أعلم الناس بالقرآن وعلومه.

 

ثانيًا: يقوم على التكلف والتعسف: كثير من هذه الحسابات لا تستقيم إلا بتكلف شديد وتعسف في قواعد العدّ والإحصاء. فلكي يصل الباحث إلى الرقم الذي يريده، قد يضطر إلى اعتبار كلمة معينة في موضع، وتجاهلها في موضع آخر. وهذا التكلف يجعله بحثًا قائمًا على الهوى، لا على منهج علمي منضبط، مما يفتح الباب للعبث بكتاب الله.

 

ثالثًا: يفتح بابًا للطعن في القرآن: وهذا من أخطر مفاسده. عندما نقدّم هذه الأرقام للناس على أنها "دليل إعجاز قاطع"، ثم يأتي شخص ويُثبت خطأ في العد أو الحساب (وهو ما يحدث كثيرًا)، فإن النتيجة تكون عكسية تمامًا. قد يتزعزع إيمان ضعاف الإيمان، ويجد أعداء الإسلام مدخلاً للطعن في القرآن قائلين: "ها أنتم تزعمون أنه معجز عدديًّا، وقد أثبتنا لكم خطأ حساباتكم". نحن بذلك نعرض القرآن لما لا يليق به.

 

رابعًا: يصرف الناس عن المقصد الأعظم للقرآن: أنزل الله القرآن ليكون كتاب هداية وتدبر وتشريع وعظة وشفاء للقلوب. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29).

 

أما الاشتغال بهذه المتاهات العددية، فإنه يصرف الهمم عن التدبر والعمل بالقرآن إلى مجرد أرقام وحسابات لا تثمر عملاً ولا تزيد إيمانًا صحيحًا.

 

خامسًا: قد يكون مدخلاً لأهل البدع: كانت بداية فتنة البهائية والبابية قائمة على مثل هذه الحسابات وحروف "الجُمَّل"، وكذلك بعض الفرق الباطنية. فالخوض فيه يفتح بابًا لأهل الأهواء ليربطوا أفكارهم بالقرآن عبر حسابات متكلفة.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

سجع القرآن.. عيب أم إعجاز؟

المعجزة القرآنية الخالدة.. وجوه الإعجاز اللفظي وأنواعه

القرآن.. إعجاز علمي!

هداية القرآن.. إعجازه الأكبر

الرابط المختصر :