الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 6148
20/10/2026
معلم يعتمد في دخله على بيع دوراته التعليمية المسجلة عبر الإنترنت. قام أحد الطلاب بشراء الدورة وتسريبها بالكامل على قنوات "تليجرام" المجانية بحجة "زكاة العلم ونشره" ومساعدة الطلاب غير القادرين. فهل يأثم الطالب بتعديه على الملكية الفكرية، وماذا لو كان المعلم نفسه قد استخدم في شروحه نسخاً مقرصنة من كتب إلكترونية غير مصرح بنشرها؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن
نشر العلم من أعظم القربات، ومساعدة المحتاجين من أجلّ الطاعات، إلا أن الغاية
النبيلة لا تبرر الوسيلة المحرمة. وقد جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بحفظ الحقوق،
وصيانة الأموال، والوفاء بالعهود والعقود، وتحريم التعدي على جهود الآخرين
وممتلكاتهم المادية والمعنوية بأي ذريعة كانت.
اختصارًا:
يأثم
الطالب بإقدامه على تسريب الدورة التعليمية ونشرها دون إذن صاحبها، وفعله هذا يعد
تعديًا على حق مالي معتبر شرعًا، وخيانة للأمانة، ونقضًا لشرط الشراء، وحجته
باطلة؛ لأن زكاة العلم والصدقة لا تكون من أموال وحقوق الآخرين، أما قيام المعلم
باستخدام مواد مقرصنة في شروحه فهو إثم يقع عليه لتعديه على حقوق غيره، لكن إثمه
هذا لا يُبيح للطالب سرقة مجهود المعلم وعمله؛ فالخيانة لا تُقابل بالخيانة في شرعنا.
وتفصيلاً:
أولاً:
حرمة التعدي على حقوق الملكية الفكرية وتسريب الدورات:
إن
الدورة المسجلة هي نتاج جهد فكري ووقت وعمل، وتعتبر منفعة متقومة وحقًّا ماليًّا
مملوكًا للمعلم لا يجوز التعدي عليه. وقد صدر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي
التابع لمنظمة التعاون الإسلامي في قراره رقم 43 5/5 بشأن الحقوق المعنوية ما نصه:
"حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا، ولأصحابها حق التصرف فيها،
ولا يجوز الاعتداء عليها.
ثانيًا:
الوفاء بالشروط:
شراء
الطالب للدورة يتضمن شرطًا صريحًا أو عرفيًّا بعدم النشر المجاني وإعادة التوزيع.
والأصل في الشريعة لزوم الوفاء بالشروط، لقول النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي
وقال حسن صحيح: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ
حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا». وتسريبها هو نقض لهذا الشرط وأكل لأموال الناس
بالباطل، وهو محرم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا
أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29].
ثالثًا:
فساد حجة "زكاة العلم":
زكاة
العلم إنما تكون فيما يملكه الإنسان من علمه الخاص، أو في الأمور المشاعة، لا في
سرقة جهود الآخرين لتوزيعها. والله تعالى لا يقبل التقرب إليه بمحرم، لقول النبي ﷺ في صحيح مسلم:
«إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا». وقول الإمام سفيان الثوري
رحمه الله: "من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن طهر الثوب النجس
بالبول".
رابعًا:
حكم تعدي المعلم باستخدامه كتبًا مقرصنة وتأثير ذلك على حقه:
إن
المعلم يأثم بلا شك لاستخدامه نسخًا غير مصرح بنشرها؛ لأنه يعتدي على حقوق
مؤلفيها. ولكن، هل يُبيح هذا للطالب أن يعتدي على جهد المعلم في المقابل؟ الجواب
قطعًا: لا. فالشريعة قررت أن الحقوق لا تسقط بالمعصية، وأن الخيانة لا تُقابل
بالخيانة، دليل ذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي والدارمي عن أبي هريرة رضي الله
عنه، أن النبي ﷺ قال:
«أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ».
فالمعلم
ولا بد له جهد فكري في الشرح والترتيب والإلقاء والإنتاج وهو حقه المالي، وتعديه
في جزئية استخدام كتاب مقرصن يحاسب عليه، ولا يسوغ للطالب سرقة كامل العمل.
القواعد
الفقهية الحاكمة في شراء دورة تدريبية ثم نشرها للعامة مجانًا:
لا
يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه: وهذا ينطبق على
جهد المعلم وحقه الفكري.
لا
يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي.
الضرر
لا يزال بمثله: فلا يزال ضرر الطلاب غير القادرين أو ضرر المؤلفين
الأصليين الذين قرصن المعلم كتبهم بإيقاع الضرر على المعلم وسرقة إنتاجه.
المعروف
عُرفًا كالمشروط شرطًا: والعرف الجاري في بيع المنتجات الرقمية
التعليمية أنها للاستخدام الشخصي ولا يجوز إعادة نشرها، فهو كالشرط المكتوب. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
عجزت عن شراء مراجع البحث.. أيحل لي أن أنسخها؟