أين الحكمة والعدل في قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾؟

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : وساوس وشكوك
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 1
  • رقم الاستشارة : 5765
02/09/2026

السلام عليكم.

أنا شاب أدرس في الجامعة، أعلم أن الله عز وجل عدل حكيم، لكن أجد صعوبة في التوفيق بين مجموعة من الآيات القرآنية التي تتناول موضوع المشيئة والهداية والكفر، فهناك آيات تُشعرني بأن الإنسانية تملك الحرية الكاملة والاختيار المطلق في الإيمان والكفر، وأن الإنسان هو المسؤول الأول عن مصيره، كقوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، وفي المقابل، أقرأ آيات أخرى توحي بأن الأمر كله معلق بالمشيئة الإلهية التي لا يد للإنسان فيها، مثل قوله تعالى: (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، وقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).

وتتضاعف حيرتي عندما أقف عند قوله تعالى في سورة السجدة: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)! فإذا كان الله قادرًا بمشيئته المطلقة على أن يهدي البشر جميعًا ويجنبهم العذاب، فلماذا لم يفعل ذلك ويرحمهم جميعًا؟

وكيف أستوعب الحكمة والعدل في أن يقضي الله بملء جهنم من الجن والإنس، بينما هو سبحانه الذي لم يرد لهم الهداية؟!

أريد أن أفهم حتى يطمئن قلبي وأرتاح نفسيًّا لأني متعب منذ بدأت هذه الأفكار تتردد في ذهني وتشتتني.

وجزاكم الله خير الجزاء.

الإجابة 02/09/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وينير بصيرتك، ويزيل عن قلبك كل حيرة وشتات، وأن يرزقك طمأنينة الإيمان وحلاوة اليقين، ويوفقك في دراستك وفي حياتك كلها، وبعد...

فاعلم يا ولدي أن مسألة العلاقة بين المشيئة الإلهية وإرادة الإنسان، وبين العدل والقدر، من المسائل العقدية الكبرى التي يجب أن يفهمها كل مسلم فهمًا صحيحًا لتسلم عقيدته ويصح إيمانه، لذا أحييك على سؤالك وعلى نيتك فيه، فإن البحث عن إجابات هذه الأسئلة المهمة بقصد الوصول إلى السكينة والاطمئنان مسلك محمود، وسير على درب أبي الأنبياء إبراهيم -عليه السلام- حين طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260].

كيف نجمع بين حرية الإنسان ومشيئة الله المطلقة؟

لنجمع بين آيات تخيير الإنسان وآيات حتمية المشيئة الإلهية، نعتمد على قاعدتين أساسيتين:

1- التفرقة بين المشيئة الكونية والإرادة الشرعية: المشيئة الكونية هي التي تتعلق بوقوع الأحداث في الكون، فلا يقع شيء في ملك الله إلا بإذنه ومشيئته، كفرًا كان أو إيمانًا، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29].

أما الإرادة الشرعية، فهي ما يحبه الله ويرضاه من عباده، كالإيمان والطاعة، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 27]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7].

فالله –تعالى- يشاء أن يوجد الكُفر اختبارًا للعباد مع منحهم الحرية في الاختيار، ولكنه –عز وجل- لا يرضاه شرعًا ولا يحبه.

2- أنواع الهداية في القرآن الكريم: الهداية في القرآن الكريم تنقسم إلى هدايتين: الأولى هي هداية البيان والإرشاد، وهي الممنوحة لجميع البشر بلا استثناء، حيث أودع الله فيهم العقل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبيَّن طريق الخير والشر، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]، وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17].

والثانية هي هداية التوفيق والتثبيت، وهي فضل إلهي وإعانة خاصة يمنحها الله لمن أقبل عليه وسعى للخير بصدق، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]. أما من أعرض وتكبر، فإن الله يكله إلى اختيار نفسه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5].

فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29] يثبت للإنسان القدرة الكاملة على الاختيار والعمل، ولهذا يحاسَب. أما قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: 93] فمعناه أن إضلال الضالين هو عدل منه لعدم سلوكهم أسباب الهداية وتكبرهم عنها، وهداية المهتدين هي فضل منه لتوجُّههم وإقبالهم الصادق.

كيف نفهم آية سورة السجدة؟

يقول الله عز وجل: ﴿ولَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة السجدة: 13]. وتتساءل يا بني: «إذا كان الله قادرًا بمشيئته المطلقة على هداية الجميع، فلماذا لم يفعل ذلك ويرحمهم؟»، والجواب يكمن في الهدف من خلق الإنسان والغاية من وجوده.

إن خلق الإنسان قائم على التكليف والاختيار، وهم في ذلك غير الملائكة المسيَّرين على الطاعة لا يعصون الله ما أمرهم، وغير البهائم التي هي بلا عقول ولا تكليف. فالإنسان خُلق بتركيبة فريدة تجمع بين العقل والإرادة والشهوة.

ولو شاء الله لجعل البشر جميعًا كالملائكة مؤمنين جبرًا، ولكن لو حدث ذلك لبطلت غاية الابتلاء والامتحان، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].

كمال أن الإيمان القسري لا قيمة أخلاقية ولا إيمانية له. تخيل أستاذًا أجبر طلابه في الامتحان على نقل إجابة بعينها، هي النموذجية، من ورقة وضعها أمامهم حرفيًّا؛ فإن جميع الطلاب سينجحون؛ لكن لا معنى حينئذٍ للعدالة ولا للتفوق ولا للاجتهاد!

الحكمة والعدل في قضاء الله بملء جهنم

نعلم يقينًا أن الله –تعالى- حَرَّم الظلم على نفسه، كما جاء في الحديث القدسي الجليل: «يا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا» [رواه مسلم]. والله لا يعذب أحدًا إلا بعد أن يقيم الحجة عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. فالعقاب يكون بسبب اختيار العبد وإصراره.

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ يستند إلى علم الله الأزلي الشامل بأن هناك فئات من الإنس والجن سيختارون طريق الفساد والاستكبار بكامل إرادتهم، حتى لو أُعطوا ألف فرصة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28].

تخيل يا بني طبيبًا يملك علاجًا لمرض قاتل، وزَّعه مجانًا، وأقام حملات توعوية لحث الناس على تناوله، وحذَّرهم من الموت إن لم يتناولوه، فرفض فريقٌ منهم الدواء استكبارًا وسخرية حتى ماتوا! هل يُلام الطبيب على موتهم أم يُلام المرضى على جحودهم؟!

ولله المثل الأعلى؛ أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل، وأعطى العقل، فمن دخل النار فقد دخلها باختياره بعد أن أغلق هو بنفسه أبواب الرحمة.

اقتراحات لطمأنة القلب

ذكرتَ يا بني أنك متعب نفسيًّا بسبب تردد هذه الأفكار؛ لذا أضع بين يديك هذه الخطوات العملية لتستعيد هدوءك الإيماني والنفسي بإذن الله:

1- إدراك حدود العقل البشري: العقل البشري يا ولدي له حدود وطاقة استيعابية، تمامًا كما أن للأذن حدودًا في سماع الترددات، وللعين حدودًا في رؤية الضوء. إن القدر سر الله في خلقه، والتعمق الزائد في التفكير في تفاصيل القدر الإلهي يورِّث الحيرة، لأنك تستخدم أداة غير مناسبة، وقاصرة عن الوصول لكنهه كما هو تمامًا.

2- الانشغال بالعمل: استبدل بسؤال: «لماذا قدَّر الله كذا؟» سؤال: «ماذا يطلب الله مني الآن؟»، فأنت مطالب الآن بالعبادة بمعناها الشامل، أي بكل ما يرضاه الله عز وجل من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، هذا المفهوم الذي يحول حياتك كلها، بحركاتك وسكناتك إلى عبادة له سبحانه. ولما سئل النبي e عن القدر، قال: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» [متفق عليه].

3- القراءة والاطلاع: أنصحك يا ولدي بقراءة بعض الكتب الموثوقة التي تعالج هذه الشبهات بأسلوب واضح، مثل كتاب «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل» للإمام ابن القيم، أو أي ملخص له، وكتاب «رحلتي من الشك إلى الإيمان» للدكتور مصطفى محمود.

ولا تحرم نفسك من التواصل المباشر مع أهل العلم، ومناقشة الأساتذة والمختصين الثقات في جامعتك أو بيئتك بهدوء، ولا تجعل هذه الأفكار سجالاً داخليًا بينك وبين نفسك ينهك قواك، وإياك أن تترك نفسك للمواقع المشبوهة والحسابات المضللة على وسائل التواصل.

4- الالتجاء إلى الله بالدعاء والذكر: الدعاء يبعث على السكينة ويكسر حدة الوساوس. فحافظ على هذا الدعاء الذي كان يكثر منه النبي e: «يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي علَى دِينِكَ» [رواه الترمذي].

وختامًا يا ولدي، أسأل الله –سبحانه- أن يملأ قلبك بنور اليقين، وأن يرزقك الفهم والفقه في دينه، وأن يفتح عليك فتوح العارفين، ويوفقك في حياتك، ويجعلك ذخرًا للإسلام والمسلمين. ودمت في حفظ الله ورعايته.

التعليقات

الرابط المختصر :