هل الزواج يسبب التعاسة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
  • القسم : استشارات أخرى
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 359
  • رقم الاستشارة : 3559
13/12/2025

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أنا فتاة واقعية، لست خيالية، لا أنظر للحياة على أنها وردية، بل أنا أعرف أن الحياة من يسر وعسر، ولا يوجد حياة مثالية كاملة من دون اي نقص.

انا مخطوبة مقبلة ع مرحلة الزواج، احب خطيبي وهو كذلك وعلاقتنا مبنية ع التفاهم والاحترام، انظر للمرحلة المقبلة وهي الزواج، انظر لها على أنها مرحلة جميلة وممتعة وستكون حياة مستقرة هانئة، ونشكل ثنائي جميل.

أعرف أننا سنمر بأوقات ملل وبعض الاكتئاب، أعرف أن ليست كل الاوقات مرح وسرور، أعرف أنه سيكون بين أي رجل وزوجته مشاكل إلى آخره، لكن ما حدث معي لم يكن بالحسبان.

لقد تزوج الكثير من الأقرباء والمحيط الذي أعيش فيه، حضرت حفلات الأعراس، ورأيت كيف أصبحوا تعساء بعد الزواج.

ذهبت مؤخراً أبارك لصديقتي في زواجها، عندما دخلت وزرتها رأيت أن هناك حزن في وجهها، رأيت الكآبة تملأ المنزل، لا يوجد بهجة، صدقوني لا أبالغ لكن هذا ما رأيته، سألتها أيهم أجمل الزواج أو العزوبية، أجابت بيأس لم يفرق شيء وأنه عادي.

كلامها كان ثقيل وحزين، ولا كأنها تلك الفتاة التي كانت ترقص من شدة الفرح انها ستتزوج من فارس أحلامها، شعرت بطاقة غريبة، حزن مدموج باليأس والتعب، بالرغم أنني كنت ذاهبة إليها وكلي حيوية وطاقتي كانت عالية، لا أعلم ماذا حدث بعد دخولي إلى منزلها، وكأن طاقة الحزن التي هي فيها دخلت جوفي واستوطنت فيه.

بعد ما خرجت من بيتها شعرت ببعض الراحة وكأن كان حجر على صدري وذهب، لكن أصابني خوف شديد قلت بيني وبين نفسي، هل سوف يحدث معي نفس الشيء، هل سوف تأتي الناس وتستشعر كم أنا حزينه هكذا مثلها، هل سوف أنظر للزواج على أنه ملل ومتعب واصبح شخص حزين هكذا.

أصبحت أخاف أن أكون شخص ممل وكئيب بعد الزواج، وأننا سوف نعيش أنا وخطيبي حياة زوجية تعيسة، أنزرع الخوف في قلبي من الزواج، أعرف أنه سنة الحياة لكنني مرعوبة،،،،

سؤالي هل يحدث للجميع هكذا بعد الزواج؟؟، وهل الجميع يشعرون بالملل والكآبة والتعاسة المفرطة هكذا؟؟

الإجابة 13/12/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابنتي الكريمة في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.

 

دعيني في البداية أعبر لك عن مدى تقديري لك وعلى طريقتك في التفكير، فعلى الرغم من أنه تجمعك بخطيبك علاقة حلوة تظللها المشاعر وتطمحين كي تكونوا ثنائيًّا سعيدًا إن شاء الله تعالى فإنك واقعية تدركين يسر الحياة حينًا وعسرها حينًا وأنه لا توجد حياة لا تخلو من بعض الملل والفتور بين الحين والآخر.. حتى مخاوفك ومشاعر القلق التي تعتريك هي دلالة على نوع من التفكير العميق في تحديات ما بعد الزواج، فأنت لا تفكرين بطريقة سطحية في العرس وشهر العسل والخروج والنزهات، وهذه الأمور التي اعتاد كثير من الفتيات منحها الاهتمام والانتباه.

 

الرضا الزواجي

 

ابنتي الغالية، وإجابتي عن سؤالك فهي أنه: لا بالـتأكيد لا يعاني الجميع من الفتور والتبلد والملل وغياب المعنى بعد الزواج، والدرسات تشير إلى أنه ما بين 60 إلى 70% يشعرون بالرضا الزواجي على الرغم من مرور سنوات على الزواج لكن الـ30 إلى 40% من المتزوجين الذين لا يشعرون بالرضا يملؤون الدنيا ضجيجًا وتعليقات ساخرة عن الزواج وربطه بالاكتئاب والفتور وانخفاض الطاقة.. وكثيرًا ما يلتزم الذين يشعرون بالرضا بالصمت ربما خوفًا من الحسد فتبدو الصورة كما لو أنه لا يوجد من هو سعيد في زواجه.

 

أما ما لاحظته أنت بصورة شخصية عن تعاسة بعض الأزواج من الأقارب الذين تعرفينهم فهي ملاحظات فردية غير موثقة، قد تكون الصدفة قد لعبت فيها دورًا، فمثلا قد يتصادف أنك التقيت إحداهن في الوقت الذي تعاني فيه من مشكلة فخرجت كلماتها حزينة فاقدة للشغف.. قد تكون من هؤلاء اللاتي لديهن تصورات غير واقعية عن الزواج فشعرن بالإحباط بعده.. قد يكون ما حدث مع صديقتك هو أحد آثار الانتقال النفسي واضطراب الهوية بعد الزواج، وسوف أشرح لك هذه الأمور في السطور القادمة حتى تبني رؤية واعية لما يحدث بعد الزواج خاصة في المرحلة الأولى؛ فالفهم الجيد سيغلق بوابات الخوف والقلق في عقلك.

 

الدوبامين والتوقعات

 

ابنتي الغالية، كثير من الشباب والفتيات يكون لديهم سقف توقعات مرتفع جدًّا لما قد يحققه الزواج، وبالتالي هم يشعرون بإثارة نفسية شديدة وهذا يجعل الدوبامين (الناقل العصبي المسئول عن نظام المكافأة في الدماغ يرتفع لمعدلات قياسية قبل الزواج) هم ينتظرون انتهاء جميع المشكلات بمجرد الزواج...

 

البعض يتصور أن الزواج عصا سحرية ستقوم بعلاج جميع المشكلات النفسية التي يعاني منها.. ستبرأ صدمات الطفولة.. سيمتلك كل المهارات التي تجعله يدير حياته بطريقة احترافية، إنه ينتظر من الشريك أن يحقق له المعجزات.. ربما هذا كلام لا يقال لكنه كامن بصورة لا واعية في عقول الكثيرين...

 

الزواج بالنسبة لهم يعني حياة جديدة وهذا سيجعل منهم نسخة جديدة.. شخصية جديدة يطمحون إليها ويتصورون أن هذا لن يتم إلا عبر بوابة الزواج.. إنهم بذلوا كثيرًا من الجهد والمال والأحلام وينتظرون المكافأة الكبرى بالزواج، وعندما يتم الزواج ولا تتحقق هذه التوقعات غير الواقعية وغير المنطقية والتي لم تعتمد على الأسس الصحيحة للبناء ينهار نظام المكافأة بشكل مفاجئ مسببًا حالة من التعاسة العنيفة، ويتم إلقاء اللوم على مفهوم الزواج ذاته الذي خذل توقعاتهم.

 

الانتقال النفسي

 

هناك فريق آخر أكثر واقعية في متطلباته من الزواج، فإذا كانت الفتاة التي تعاني من التوقعات المرتفعة تعتبر أن الزوج سيحل محل الأب والأخ والصديقة والطبيب النفسي أيضًا وتطلب منه أن يعيش أدوارًا ليست له ولا يجيد لعبها، فهناك فتاة أخرى تمتلك توقعات واقعية من الزوج، فهي تريده أن يشغل الحيز العاطفي كزوج وحبيب فقط.. تريد السكن والمودة والرحمة...

 

وهي على المستوى النظري مؤمنة أنه لا يوجد زواج بلا خلافات أو مشكلات، لكن عندما تخوض زمام التجربة الحقيقية تشعر بمشاعر غريبة "مشاعر الانتقال النفسي"، فهي خرجت من الهوية الفردية لفتاة مخطوبة لم تتزوج بعد ولديها مساحة كبيرة من الدلال وليس لديها مسئوليات كبيرة إلى هوية زوجية تتشارك فيها مع آخر عملية دمج للهوية وللمسئولية، لكنها بعد لم تندمج في هذه الهوية... فهي خرجت من الهوية القديمة بالفعل بسبب الزواج، لكنها لم تستطع بعد الدخول في الهوية الجديدة فبقيت واقفة في مرحلة الانتقال حائرة.

 

وغالبًا صديقتك تعاني من آثار هذا الانتقال، فهي لم تشعر بهويتها الجديدة فتقول لك: لا أشعر بالفارق بين حياة العزوبية وحياة الزواج.. هي بالفعل خرجت من حياة العزوبية لكنها لم تدخل بعد مرحلة الاندماج في الزواج، فهي تعاني مشاعر غربة غير مفهومة تشبه غياب المعنى عن حياتها؛ لذلك تشعر بالانطفاء الذي شعرت أنت به وصوره عقلك أنها تعيش في حالة تعاسة بعد الزواج.

 

التهيئة النفسية

 

ابنتي الحبيبة، لا أريدك أن تقلقي قلقًا مبالغًا فيه، فالقلق العدو الأول للسعادة.. يكفيك بعض مشاعر الخوف الصحي الذي يجعلك أكثر تنبهًا لخطواتك.. أريدك أن تقومي بعمل تهيئة نفسية ذاتية كونك ستحتاجين بعض الوقت كي تستطيعي الاندماج في هويتك الجديدة، فليس من السهل على الفتاة أن تنتقل لهوية جديدة مهما بلغت درجة عالية من الوعي.

 

لذلك يجب أن تنتبهي لأهمية الوقت في الاندماج وتكوني واعية أنه قد يزورك شعور غير لطيف بين الحين والآخر.. شعور يمزج بين القلق وعدم الارتياح لكنه مجرد شعور عابر مجرد معرفتك به سيفقده قوته وثقله.. الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ستزيل أي آثار محتملة لهذا الشعور؛ فالشيطان يعمل بشكل أساسي على تغذية المشاعر السلبية العابرة فيقوم هو بتضخيمها وإبرازها وجعلها فزاعة تفقدنا السكينة والأمان النفسي وتحرمنا نعمة الشكر لله الذي أشبع احتياجنا للزواج ورزقنا زوجًا طيبًا مريحًا يتفهم ويتعاطف..

 

أسعد الله قلبك يا ابنتي، ولا أريد أن تتردي في التعليق أو السؤال حتى تتضح لك الرؤية كاملة إن شاء الله تعالى.

 

روابط ذات صلة:

تجارب الزواج الفاشلة هل تصنع الخوف والوحدة؟

أعيش في عالم خيالي.. لماذا أتزوج؟

نادمة على زواجي.. لا تبكي على اللبن المسكوب

الرابط المختصر :