ما معنى قراءة القرآن «بحزن»؟ وكيف نطبقها واقعيًّا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العلاقة بالقرآن
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 502
  • رقم الاستشارة : 3841
17/01/2026

سمعت حديثا عن النبي ﷺ يأمرنا فيه بأن نقرأ القرآن بحزن وبكاء! فما معنى هذا؟ وكيف نفعله؟

وهل الحزن والبكاء عمومًا مطلوبان ومحمودان من المسلم أم ماذا؟ ولماذا؟

الإجابة 17/01/2026

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبك، ونور صدرك، وجلاء حزنك، وأن يرزقك الخشية والإنابة في كل وقت وحين، وبعد...

 

فإن الهدف الأسمى من إنزال القرآن الكريم ليس مجرد القراءة والتغنِّي بألفاظه؛ بل هو التدبر الذي يورث الخشية ويؤدي إلى العمل. والقلب المؤمن هو قلب حي، يتأثر بما يقرأ وبما يسمع، فإذا مرَّ بآيات الوعيد خاف ووجل، وإذا مرَّ بآيات الوعد استبشر واشتاق. ومن هنا ندرك أن البكاء والحزن عند القراءة ليسا غاية في ذاتهما، بل هما ثمرة لعمق الفهم وصدق التأثر.

 

الحديث ومعناه

 

الحديث الذي أشرت إليه ورد بروايات متعددة، منها ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ هذا القرآنَ نزلَ بحُزْنٍ، فإذا قرأتموهُ فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكَوا» وهذا الحديث رواه ابن ماجة في سننه، وفي سنده مقال، وقد ضعفه الشيخ الألباني؛ لكن معناه معتبر عند أهل العلم.

 

وليس المعنى أن القرآن يدعو للكآبة أو اليأس -حاشا لله- بل المعنى أن طبيعة مواضيع القرآن من ذِكر للموت، والقيامة، والحساب، وتقصير العباد في حق خالقهم، تقتضي من القلب السليم أن يستشعر هيبة الموقف وعظمة الخالق، فيتمثل ذلك في حالة من الوقار والخشوع التي قد تفيض معها العين بالعبرات. وهذه الحالة تعبر عن حزن ممدوح؛ لأنه يدفع المرء للعمل والعودة إلى الله، وليس الحزن الذي يقع فيه الإنسان قهرًا على فوات دنيا أو خسارة مال.

 

كيف نحقق البكاء والخشوع عند القراءة؟

 

البكاء عند قراءة القرآن ليس فعلًا آليًّا؛ بل هو ثمرة ناضجة لشجرة التدبر. وإليك خطوات عملية لتحقيق ذلك:

 

1- استحضار عظمة المتكلم: قبل البدء، استشعر أنك تقف بين يدي ملك الملوك، وأن هذا الكلام هو كلام الله الموجه إليك أنت شخصيًّا كعبد مخلوق.

 

2- التدبر: لا تقرأ القرآن غافلًا عن معانيه؛ بل قف عند كل آية. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29].

 

3- الترتيل وتحسين الصوت: فالصوت الحسن يساعد على تحريك المشاعر.

 

4- التفاعل مع الآيات: إذا مررتَ بآية فيها تسبيح فسبِّح، وإذا مررتَ بآية فيها وعيد فاستعذ، وإذا مررت بآية فيها رحمة فاسأل الله من فضله. كان النبي ﷺ يفعل ذلك، وهو ما يجعل القلب حاضرًا.

 

5- التباكي: ومعناه استجلاب البكاء، ويكون بتكلُّف في البداية لمن قسا قلبه، وهو باب من باب من أبواب مجاهدة النفس لترقَّ وتلين. فمن عجزت عينه عن البكاء فليتباكَ قلبه، أي يستشعر الحزن والأسى على قسوة قلبه وعدم تأثره بكلام ربه.

 

هل الحزن والبكاء محمودان في الإسلام؟

 

الأصل أن الحزن في ديننا ليس هدفًا بحد ذاته ولا صفة ممدوحة لذاتها؛ بل هو حالة إنسانية تعرض للمرء. ويمكن تقسيم الحزن إلى نوعين: حزن محمود، وحزن مذموم:

 

الحزن المحمود:

 

الحزن يكون محمودًا إذا كان دافعًا للإصلاح، مثل: الحزن على فوات الطاعة، كما وصف الله البكَّائين الذين حزنوا لأنهم لم يجدوا ما ينفقون في سبيل الله، والحزن الناتج عن الندم على الذنب، وهو ركن أساسي من أركان التوبة، وكالحزن على حال الأمة أو معاناة الآخرين، وهو دليل على حياة القلب ورحمته.

 

وقد وصف الله الأنبياء والصالحين بقوله: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]. وقال ﷺ: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» [رواه الترمذي].

 

الحزن المذموم:

 

هو الحزن الذي يورث العجز والكسل، أو الحزن على الدنيا وما فات منها، أو الحزن الذي يؤدي إلى القنوط من رحمة الله وترك العمل. لهذا كان النبي ﷺ يستعيذ منه دائمًا في قوله: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن» [رواه البخاري].

 

وقد نهى الله عن الحزن على الدنيا وما فات منها، فقال: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139].

 

والخلاصة أن الحزن الدنيوي المذموم، أعراضه: ضيق الصدر، والهم، والتألم لفقد المحبوب. وهو يضعف العزيمة إذا زاد عن حده. والأصل الاستعاذة منه وطلب الفرج.

 

أما الحزن المحمود عند تلاوة القرآن، فأعراضه الخشوع، والرقة، والتأثر بالوحي، وهو يزيد الإيمان ويقرب من الله. وهو مستحب مطلوب.

 

وختامًا أخي الكريم، إن الحزن المحمود له فوائد عظيمة على النفس، فهو يطهر القلب ويغسل أدرانه، وينقيه من النفاق والقسوة. ويجعلنا نستشعر الافتقار إلى الله، ويكسر كبرياء النفس. كما أن المؤمن الذي يبكي في خلوته يظلُّه الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله، ومنهم: «... ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» [متفق عليه].

 

أسأل الله أن يرزقنا وإياك قلوبًا خاشعة، وأعينًا من خشيته دامعة، وألسنة بذكره ناطقة. اللهم اجعلنا ممن إذا قرأ القرآن تدبَّر، وإذا سمع الذِّكر تذكر. اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

روابط ذات صلة:

يقرأ القرآن ولا يتأثر.. ما السبيل إلى حضور القلب؟

كيف أقرأ القرآن وأتدبره بطريقة غير روتينية؟

مدى صحة الأثر: كان قرآنا يمشي على الأرض

الرابط المختصر :