كيف نستثمر رمضان في علاج إدمان «السوشيال ميديا»؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : العلاقة بالقرآن
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 293
  • رقم الاستشارة : 4114
15/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا شاب أعمل في وظيفة مكتبية تتطلب التعامل مع الكمبيوتر لساعات، لكن مشكلتي الحقيقية تكمن في إدمان منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصًا الفيسبوك واليوتيوب.

أجد نفسي أقضي ما لا يقل عن 5 إلى 7 ساعات يوميًا في الاسكرولينج اللانهائي، مما أدى إلى تدهور تركيزي، وإهمالي لواجباتي الأسرية، وشعور دائم بالذنب وضيق الوقت. حاولت مرارًا الحذف المؤقت للتطبيقات، لكنني أعود إليها بدافع الخوف من أن يفوتني شيء.

ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، أريد أن أجعل من هذا الشهر منطلق لتخلصي من هذا الإدمان، خصوصا أني لم أختم القرآن في السنوات الماضية بسبب انشغالي بالهاتف.

فكيف أضع جدولًا زمنيًا يوازن بين متطلبات عملي وبين رغبتي في الانقطاع عن السوشيال ميديا للعبادة؟

وما البدائل الصحية التي يمكنني اللجوء إليها في اللحظات التي أشعر فيها بالرغبة في فتح هذه المنصات؟

كيف أحول عادات التصفح السلبية (مثل متابعة المشاهير أو الجدالات العقيمة أو المقاطع التافهة) إلى عادات إيمانية مثمرة عبر الهاتف نفسه دون الوقوع في فخ التشتت مجددًا؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة 15/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

أخي الكريم، مرحبًا بك، وأشكرك جزيل الشكر على تواصلك معنا، وأحييك على رغبتك في التغيير تزامنًا مع قدوم شهر رمضان المبارك. أسأل الله العلي القدير أن يبارك لك في وقتك، ويشرح صدرك، ويعينك على طاعته، ويجعل هذا الشهر نقطة تحول حقيقية في حياتك، وبعد...

 

قيمة الوقت ومسؤولية العمر

 

إن ما تعاني منه يا أخي هو مرض العصر الذي لم يسلم منه إلا من رحم ربي. فالوقت ليس مجرد ساعات تمر، بل هو رأس مالك الحقيقي في هذه الدنيا.

 

هذا «الاسكرولينج» أو التصفح اللانهائي، هو استنزاف مقصود لتركيزك وقدراتك العقلية. والمؤمن مسؤول أمام الله عن كل دقيقة من عمره، كما جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه...» [رواه الترمذي].

 

جدول للموازنة بين العمل والعبادة

 

لتحقيق التوازن، لا بد من الفصل الصارم بين المهام. فالعقل يتشتت عندما يحاول القيام بشيئين في وقت واحد. وأقترح عليك الآتي:

 

1- بما أن عملك مكتبي، اجعل هاتفك في غرفة أخرى أو داخل دُرج مغلق أثناء ساعات العمل. لا تعتمد على إرادتك وحدها، فالإرادة تضعف، لكن البيئة تساعد.

 

2- اعمل مدة 50 دقيقة بتركيز كامل، ثم خذ 10 دقائق راحة. في هذه العشر دقائق، إياك وفتح «الفيسبوك»، بل قم من على مقعدك، وتحرك، وتنفس بعمق، أو اذكر الله.

 

3- لكي تختم القرآن خلال الشهر، أنت بحاجة لقراءة جزء يوميًّا على الأقل يوميًّا (حوالي 20 صفحة)، وأكثر طريقة عملية هي ربط القراءة بالصلوات المفروضة، فلتقرأ 4 صفحات على الأقل مع كل فريضة، قبلها أو بعدها.

 

4- للتعامل مع فخ «الخوف من فوات شيء ما»، قل لنفسك يقينًا: «لن يفوتني شيء يغير مجرى حياتي على الفيسبوك، لكن سيفوتني كثير من الحسنات إذا ضاع رمضان». فاحرص على ما ينفعك.

 

البدائل الصحية:

 

عندما تشعر برغبة شديدة في فتح الهاتف، فهذا غالبًا ما يكون هروبًا من ضغط أو شعورًا بالملل. فاستبدل بهذه الحركة الآلية بدائل تبني ولا تهدم:

 

- الذكر: بمجرد أن تمتد يدك للهاتف، وجهها نحو سبحتك، أو ابدأ بالاستغفار. اجعل تحديك هو: «كلما أردت فتح الفيسبوك، سأستغفر 10 مرات، أو سأصلي على النبي ﷺ 10 مرات... أو أي ذكر آخر.

 

- الحركة: ممارسة تمرين رياضي سريع بما أنك تجلس طويلًا أمام الكمبيوتر. فهذا يجدد الدورة الدموية، ويرفع مستوى التركيز.

 

- التواصل العائلي الحقيقي: بدلًا من متابعة أخبار الغرباء، استثمر هذه الدقائق في سؤال والدتك عن حالها، أو اللعب مع أطفالك، أو محادثة زوجتك. فهذه عبادة تؤجر عليها، وهي خير من التواصل عبر التطبيقات.

 

- القراءة: ضع كتابًا ورقيًّا صغيرًا بجانبك، في أي فرع من فروع المعرفة والعلم، الشرعية أو الدنيوية؛ فالقراءة من الورق تعيد للدماغ توازنه وتركيزه الذي أفسدته الأجهزة الإلكترونية.

 

تحويل الهاتف إلى أداة إيمانية

 

الهاتف في حد ذاته وسيلة، وأنت من يحدد اتجاهها. ويمكنك عبر الخطوات التالية تطهيره وتحويله إلى وسيلة نافعة تزيد في إيمانك:

 

1- تصفية المتابعات: قبل رمضان، ادخل على حساباتك، وألغِ متابعة كل الصفحات والأشخاص الذين لا يعطونك فائدة لدينك أو دنياك، ولا تستفد منهم علمًا ولا خلقًا، إنما يضيعون وقتك، ويسلبون إيمانك. يقول النبي ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» [رواه الترمذي].

 

2- امنع الإشعارات: استخدم خاصية منع الإشعارات من برامج ووسائل التواصل على الهاتف تمامًا في ساعات العبادة والعمل.

 

3- استبدال التطبيقات: احذف تطبيق الفيسبوك وغيره من التطبيقات المشتتة، واستخدمها من المتصفح عند الضرورة القصوى فقط. وفي المقابل ثبِّت تطبيقات تعينك على الهدف، مثل تطبيق للقرآن، تطبيق للأذكار... إلخ.

 

4- الاستماع بدل المشاهدة: بدلًا من «الفيسبوك» و«اليوتيوب» اللذين يجرَّانك من مقطع لآخر، استخدم تطبيقات استماع فقط، لسماع القرآن الكريم أو الدروس أثناء تنقلك أو قيامك بأعمال آلية. فهذا يملأ قلبك بالسكينة دون أن يجهد عينيك أو يشتت انتباهك بالصور.

 

وختامًا أخي الحبيب، إن رمضان فرصة لتدريب الإرادة. فإذا استطعت أن تمتنع عن الطعام والشراب وهما حلال، فأنت أقدر على الامتناع عن غيرهما مما فيه مفسدة للقلب ومضيعة للوقت.

 

وتذكَّر أن السلف الصالح كانوا إذا دخل رمضان أغلقوا حتى كتب العلم، وأقبلوا على المصحف، فاجعل شعارك هذا العام: «وعجلتُ إليك رب لترضى».

 

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم بارك لأخي في وقته وجهده، وأعنه على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم اجعل رمضان هذا العام بداية عهد جديد له مع القرآن، مع التوفيق والنجاح في عمله وبيته. اللهم باعد بينه وبين فتن الدنيا ومشتتاتها كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم آمين، ولا تنسنا في دعائك.

 

روابط ذات صلة:

كيف ننجو من «ماراثون المظاهر» وضياع الوقت في رمضان؟

جوالها يسرق عمرها.. وسائل للخلاص من إدمان الشاشات

الرابط المختصر :