الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة النسائية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 4696
27/04/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أم لثلاثة أبناء، أكبرهم في الخامسة عشرة من عمره. أعاني مع أبنائي – خاصة الكبير منهم – من الانجراف وراء الشائعات والأراجيف المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي. تجده يصدق أي شيء ينشر دون تثبت، وينقل الأخبار المشبوهة بسـرعة إلى أصدقائه، ويتأثر كثيراً بما يراه من مقاطع فيديو تثير الشبهات حول الدين أو الوطن. حاولت معه مرارًا أن أنصحه وأوجهه، لكنه يرد علي بأن "كل الناس بتعمل كده" أو "أنا بعرف أحكم بنفسي".
أحتاج إلى نصائح عملية تساعدني في تربية أبنائي على الوعي النقدي وعدم الانسياق وراء الشائعات، خاصة أن الأراجيف الإلكترونية أصبحت تصل إليهم في كل وقت وحين عبر هواتفهم المحمولة. كيف أحمي أبنائي من فتنة الأراجيف؟ وكيف أغرس فيهم روح التثبت والتمحيص قبل تصديق الخبر أو نشره؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أيها الأم الفاضلة، حياك الله وجزاك خيرًا على حرصك على تربية أبنائك التربية الصالحة.
إن ما تعانين منه هو تحدٍ كبير تواجهه كل أم في زماننا، فقد صار الهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي رفيقًا لأبنائنا في كل لحظة، وأصبحت الأراجيف الإلكترونية تصل إليهم بسرعة ويسر، فمن أسباب خطورة الأراجيف الإلكترونية "سهولة نشرها ويُسر نقلها وقلة تكلفتها، مع سرعتها وتخطيها للحدود الزمانية والجغرافية"، وهذه الخصائص تجعلها تصل إلى أبنائنا في غرفهم الخاصة دون رقابة أو تمحيص.
إن تربية الأبناء على الوعي النقدي وعدم الانسياق وراء الشائعات هي مسؤولية عظيمة، لكنها ليست مستحيلة، ويمكن تحقيقها من خلال مجموعة من الأساليب التربوية العملية:
أولاً: بناء الثقة بينك وبين أبنائك:
أعظم ما يعينك على توجيه أبنائك هو أن تكوني لهم صديقة وناصحة قبل أن تكوني أُمًا آمرة وناهية. لا تكوني متسلطة في توجيههم، ولا تستخدمي أسلوب الوعيد والتوبيخ عندما يخطئون، بل اجعلي الحوار مفتوحًا بينك وبينهم، وتقبلي أسئلتهم واستفساراتهم مهما كانت. إذا شعر الأبناء أن أمهم تحترم آراءهم وتستمع إليهم، فإنهم سيكونون أكثر استعدادًا لقبول نصائحها وتوجيهاتها.
ثانيًا: غرس القيم الدينية في نفوسهم:
إن الإيمان بالله واليوم الآخر هو أعظم حصن يحمي الإنسان من الوقوع في الأراجيف. علمي أبناءك أن المؤمن الحقيقي لا يصدق كل ما يسمع، وأن من كمال إيمانه أن يتثبت في أخباره ولا ينقل كل ما يبلغه. ذكرهم بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. وعلّمهم أن الله تعالى وصف من يروّج الشائعة بأنه فاسق، وهذا وعيد شديد لمن يتعامل مع الأخبار بهذه الطريقة.
ثالثًا: التدريب العملي على مهارة التثبت:
علمي أبناءك خطوات عملية للتحقق من صحة الخبر قبل تصديقه أو نشره:
* لا تصدق أي خبر إلا إذا عرفت مصدره الأصلي. هل الخبر منشور على حساب رسمي معروف؟ أم أنه منقول عن صفحة مجهولة؟
* إذا كان الخبر يحوي فيديو أو صورة، تأكد من مصدرها الأصلي، ولا تكتفِ بالنص المنشور.
* ابحث عن الخبر في أكثر من مصدر موثوق، فإن اتفقت المصادر فهو أقرب للصحة، وإن تضاربت فتوقف حتى يتبين لك الأمر.
* إذا كان الخبر يتعلق بالدين، فارجع إلى العلماء والمؤسسات الدينية الموثوقة.
* علميهم أن الأصل في نقل الأخبار هو قول النبي ﷺ: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع).
رابعًا: القدوة الحسنة:
أنت النموذج الأول الذي يقتدي به أبناؤك. اجعلي تعاملك مع الأخبار والشائعات نموذجًا يحتذى. لا تنقلي الأخبار المشبوهة أمامهم، وإذا جاءك خبر لا تعرف صحته قولي: "لا بد أن نتأكد أولاً" أو "لا ننشر حتى نعرف الحقيقة". إذا رأى أبناؤك أمهم تتثبت في أخبارها ولا تندفع وراء الشائعات، فإنهم سيتعلمون منها هذه الصفة الجميلة.
خامسًا: تخصيص وقت للنقاش الأسري:
اجعلي للأسرة لقاءات دورية لمناقشة ما يثار من شائعات في المجتمع. اجلسي مع أبنائك وتحدثي معهم عن الشائعات التي وصلت إليهم، وحللي معهم أسباب انتشارها وكيف يمكن كشف زيفها. يمكن أن تخصصي مسابقة عائلية لمن يكتشف أكبر عدد من الشائعات المغلوطة في أسبوع، مع مكافأة رمزية للفائز. هذا الأسلوب يحول التوجيه من كونه إلزاميًّا إلى كونه مشاركة ممتعة.
سادسًا: تعليمهم خطورة نشر الشائعة:
بيّني لأبنائك أن من ينقل الشائعة – وإن كان حسن النية – يشارك في الإثم والضرر. قال النبي ﷺ: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة). وعكس ذلك صحيح: من نقل خبراً باطلاً ساهم في الضرر. إذا وعى الأبناء أنهم سيسألون أمام الله عن كل خبر نشروه، فإنهم سيحجمون عن نشر الشائعات.
سابعًا: توجيه اهتمامهم إلى ما ينفع:
الفراغ هو أحد أسباب الانجراف وراء الشائعات. ساعدي أبناءك على استثمار أوقاتهم فيما يفيدهم، كالقراءة، وممارسة الرياضة، وحلقات تحفيظ القرآن، والأنشطة التطوعية. فمن آثار الشائعة "إشغال المجتمع بالبحث والتبين والحوارات الفردية والجماعية مما يضيع معه قيمة الوقت"، فلا تدعي الفرصة لأبنائك أن يضيعوا أوقاتهم في متابعة الأخبار المغلوطة والنقاشات غير المجدية.
وأنصحك ختامًا:
لا تتركي أبناءك وحدهم مع هواتفهم، اجعلي لاستخدام الهواتف ضوابط أسرية، مثل تحديد أوقات للاستخدام، والاتفاق على عدم استخدام الهواتف أثناء تناول الطعام أو في غرف النوم ليلاً. كوني قريبة من أصدقائهم وتعرفي على من يصاحبونهم، فإن صحبة الأخيار لها أثر كبير في تربية الأبناء. وأخيراً، لا تيأسي من الدعاء، فدعاء الأم لأبنائها من أعظم أسباب صلاحهم.
وأسأل الله أن يحفظ أبناءك ويرعاهم، وأن يبعد عنهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
روابط ذات صلة:
الموقف الدعوي في التعامل مع الشائعات