الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
1349 - رقم الاستشارة : 2926
09/10/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دكتورة أميمة،
أنا شاب أبلغ من العمر 21 سنة، أدرس في الجامعة، وأحب دراستي وحياتي عمومًا، لكن عندي عادة غريبة لازمتني منذ كنت صغيرًا، وأصبحت تقلقني في هذه السن.
منذ طفولتي كانت أمي كثيرًا ما تتشاجر مع أبي، وهو تاجر أدوات كهربائية، وكانت أجواء البيت وقتها متوترة جدًّا. كنت كلما أسمع صوتهما يتخاصمان أشعر بخوفٍ وتوتر شديد، فأدخل غرفتي وأمسك قطعة من البلاستيك "راب الفقاعات الهوائية" وأبدأ أفرقعها بيدي، وكنت أشعر بعدها براحة وهدوء، وكأن التوتر يخرج مع صوت الفقاعات.
مرت السنوات، وكبرت، لكني لم أستطع التوقف عن هذه العادة، فهي ما زالت تعطيني إحساسًا بالاطمئنان، حتى إنني أحيانًا آخذ معي قطعة صغيرة إلى الجامعة، وأضغط عليها من غير وعي أثناء المذاكرة أو في وقت الفراغ، مما يجعل زملائي يضحكون أو يستغربون تصرفي.
أنا لا أظن أني مريض أو مضطرب، لكني أشعر أن هذه العادة لم تعد تناسب سني وموقعي كطالب جامعي، وأريد أن أتخلص منها بطريقة طبيعية دون الحاجة للذهاب إلى طبيب نفسي، فكيف أستطيع ذلك؟
هل يمكن فعلاً أن يكون هذا السلوك مرتبطًا بطفولتي؟ وكيف أغيّر هذا النمط من التهدئة النفسية الذي صار ملازمًا لي كلما توترت؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أهلاً بك ابني الحبيب،
سعيدة جدًّا بوعيك وصدقك في عرض مشكلتك بهذا الوضوح، فاعترافك بالمشكلة هو أول وأهم خطوة في طريق التغيير، وهو ما نُسميه في علم النفس الوعي الذاتي (Self-Awareness)، وهو دليل على نضجك النفسي ومسؤوليتك تجاه نفسك.
دعنا في البداية نبدأ بتفسير حالتك بطريقة تربوية ونفسية متوازنة:
استجابة شرطية
أولاً: فهم أصل السلوك:
ما تقوم به ليس مرضًا نفسيًّا، بل هو استجابة شرطية نفسية (Conditioned Response) نشأت منذ طفولتك حينما كنت تتعرض لموقف يثير فيك القلق، وهو شجار والديك.
في تلك اللحظة، كنت تبحث –بفطرتك- عن وسيلة تُخفّف التوتر الداخلي، فوجدت في فرقعة فقاعات البلاستيك تفريغًا حسيًّا للانفعال (Sensory Emotional Release)، أي أن صوت الفقاعات ولمسها كانا يمنحانك شعورًا مؤقتًا بالأمان.
ومع تكرار هذا الفعل، ربط عقلك اللاواعي بين "الفقاعات الهوائية" و"الطمأنينة"، فتحول الأمر إلى ما نسميه في علم النفس عادة سلوكية مُهدئة (Self-Soothing Habit).
نمط التهدئة الشرطية
ثانيًا: لماذا استمرت العادة حتى الكبر؟
- لأنك لم تُعالج مصدر القلق في الأصل، بل اعتدت أن تُسكّنه مؤقتًا. فكلما واجهت توترًا -حتى ولو بسيطًا- عاد دماغك ليستخدم نفس الآلية القديمة لخفض القلق، وهذا ما يُعرف بـ نمط التهدئة الشرطية (Conditioned Coping Pattern).
لكن الجميل في الأمر أنك أدركت أن هذه الوسيلة لم تعد مناسبة لسِنّك أو لمكانتك الجامعية، وهذا إدراك ناضج وواعٍ جدًّا.
خطة للعلاج
ثالثًا: نأتي للعلاج وكيفية التغيير العملي:
الهدف ليس أن "تمنع نفسك بالقوة" من عادة الفقاعات؛ لأن القمع المباشر غالبًا يؤدي إلى إحباط نفسي (Psychological Frustration)، بل أن تستبدل بها تدريجيًّا (Behavioral Substitution) سلوكًا مهدئًا آخر أكثر نضجًا وفاعلية.
* وأقدم إليك خطة عملية من خطواتٍ متدرجة:
1- التدرّج في الاستغناء: لا تتخلَّ عنها فجأة، بل قلّل استخدامها يومًا بعد يوم حتى تصبح نادرة.
2- استبدل بها أنشطة تفريغ صحية: مثل تمارين التنفس العميق (Deep Breathing Exercises) أو الضغط على كرة مطاطية مخصصة لذلك (Stress Ball) أو المشي الهادئ عند التوتر.
3- اكتب مشاعرك: استخدم ما يُسمى بـ التنفيس الكتابي (Emotional Writing)؛ أي أن تكتب ما يزعجك عندما تشعر بالقلق بدل أن تفرغه في الفقاعات.
4- مارس الهدوء الذهني: جرب جلسات قصيرة من التأمل أو الذكر أو الصلاة بخشوع، فذلك يُعيدك إلى مركزك الداخلي.
5- كافئ نفسك على كل تقدم: ذلك لأن التعزيز الإيجابي (Positive Reinforcement) يُرسّخ السلوك الجديد ويُضعف القديم.
ولتعلم -يا ابني الغالي- أن الله تعالى في ديننا الحنيف علّمنا أن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من الأشياء، بل من اتصال القلب به عز وجل، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فبدل أن تبحث عن الأمان في "الفقاعات"، اجعل طمأنينتك في الذكر والدعاء والتسليم لله، وستجد أن سكينتك ازدادت رسوخًا وثباتًا.
وأخيرًا: ما تمر به ليس ضعفًا، بل هو بقايا عادة نشأت من تجربة طفولية مؤلمة، وشفاؤها لا يحتاج طبيبًا ما دمتَ بدأت التغيير بوعي وإصرار.
* همسة أخيرة:
ابني الحبيب، كن صبورًا مع نفسك، وتذكّر أن العادات القديمة تستبدل بالحب لا بالقهر، وبالهدوء لا بالتوبيخ. راقب تقدمك، واسمح لنفسك أن تخطئ أحيانًا، فكل نجاح نفسي يبدأ بخطوات صغيرة.
وفقك الله، وثبّتك على طريق النضج النفسي والطمأنينة، وجعل منك نموذجًا للشباب الواعي الذي يُصلح ذاته قبل أن يطلب من غيره الإصلاح.