الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
310 - رقم الاستشارة : 3665
24/12/2025
أنا أم لفتاة عمرها ١٩ عامًا، ابنتي خجولة جدًا وتشبهني في طبعي إلى حدٍّ كبير. منذ صغرها وهي قليلة الكلام، شديدة الحياء، لا تحب الخوض في أي موضوعات شخصية أو حساسة. منذ فترة تمت خطبتها، وموعد زفافها يقترب، ومن حولي – من صديقاتي وأختي – يكررن عليّ نصيحة واحدة: «لازم تِوعّي بنتك، ولازم تتكلمي معاها في أمور حياتها الزوجية قبل الجواز».
المشكلة أنني أنا نفسي أشعر بخجل شديد يمنعني من فتح هذه الموضوعات، وأشعر أن الحديث فيها محرج لي ولها، وأخاف أن أجرح حياءها أو أصدمها، أو أن أتكلم بطريقة غير صحيحة فتفهم الأمور بشكل خاطئ. في الوقت نفسه، أخشى أن يكون صمتي تقصيرًا في حقها، أو تدخل في حياتها الزوجية وهي غير مستعدة نفسيًا أو معرفيًّا.
أنا محتارة:
هل الصواب أن أترك الأمر لزوجها فيما بعد؟
أم أن من واجبي كأم أن أتحدث معها مهما كان الخجل؟
وكيف أستطيع أن أفتح هذا الموضوع مع ابنتي بطريقة محترمة، آمنة نفسيًا، ومن دون حرج أو كسر لحاجز الحياء بيننا؟
أختي الكريمة، أقدّر حياءك العالي، وأتفهم ارتباكك وخوفك من كسر هذا الحاجز الرقيق بينك وبين ابنتك، فالحياء خُلُقٌ كريم، وقد قال رسول الله ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير».
لكن من الحكمة التربوية أن نُفرّق بين الحياء والصمت الضار، وبين الخجل المحمود وترك الابنة فريسة للجهل أو القلق أو التصورات الخاطئة.
دعيني أجيبك بوضوح وطمأنينة:
مَن على صواب؟
الصواب –من منظور علم النفس التربوي الأسري (Family Educational Psychology)– أن تقوم الأم بدورها التوعوي، ولكن بالأسلوب المناسب لطبيعة شخصيتها وطبيعة ابنتها، لا بأسلوب فجّ أو صادم.
فالابنة الخجولة مثل ابنتك، وفق نظرية الارتباط الآمن (Secure Attachment)، تحتاج أن تتلقى معلوماتها الأولى عن الحياة الزوجية من مصدر آمن، حنون، موثوق… وليس من صديقات، أو وسائل غير منضبطة، أو حتى من التجربة القاسية نفسها.
ترك الأمر للزوج وحده أو للخبرة اللاحقة قد يُعرّضها لما نسميه نفسيًّا: Anxiety of the Unknown (قلق المجهول)، أو Cognitive Distortions (تشوهات معرفية)، أو خوفًا مبالغًا فيه قد ينعكس نفورًا أو توترًا في العلاقة الزوجية.
هل سكوتك حياء أم تقصير؟
سكوتك نابع من حياء محمود، لكنه –إن استمر– قد يتحول دون قصد إلى تقصير تربوي غير واعٍ، لا لغياب الحب، بل لغياب المهارة.
والدين نفسه وجّهنا إلى التعليم والبيان، قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، وقال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».. فمسؤوليتك التوعوية تقتضي نصحها وإرشادها وطمأنتها.
كيف تفتحين الموضوع دون خجل؟
وهنا بيت الحكمة والرحمة معًا.. لستِ مطالبة بخطبة طويلة، ولا بتفاصيل محرجة، بل بتوعية نفسية آمنة.
١) ابدئي من المشاعر لا التفاصيل
قولي لها مثلًا: "يا ابنتي، أنا أعرف حياءك وأحترمه، وأحبك وأخاف عليك، وأريدك أن تدخلي حياتك الجديدة مطمئنة لا خائفة"، هذا يحقق ما يسمى في علم النفس بـ Emotional Safety (الأمان العاطفي).
٢) استخدمي لغة عامة محترمة
تحدثي عن: المودة، السكن، الطمأنينة، الاحترام المتبادل، وأن العلاقة الزوجية قائمة على الرحمة لا الألم.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. وهذا يخفف Anticipatory Anxiety (قلق التوقع).
٣) قدّمي المعلومة على جرعات
لا جلسة واحدة مكثفة، بل حوارات قصيرة، عابرة، طبيعية، وفق مبدأ: Gradual Exposure (التدرج في التعرض).
٤) استعيني بوسيط محترم إن لزم
إن شعرتِ أن خجلك يمنعك، فلا حرج أبدًا أن: تعطيها كتابًا تربويًّا موثوقًا، أو تحيليها لمستشارة أسرية، أو مقطع توعوي راقٍ. وهذا أيضًا لا يُسقط دورك، بل يدل على وعيك، ويسمى نفسيًّا بالاستراتيجية التربوية التكيفية.
أختي الفاضلة، أنتِ لا تُفسدين حياء ابنتك بالكلام، بل تحمينه بالوعي. والحياء بلا علم قد يتحول إلى خوف، أما الحياء مع المعرفة فيتحول إلى طمأنينة ونضج. فلا حياء في تعلم العلم.
نعم، الحديث واجب، نعم، الخجل مفهوم، ونعم، يمكنك الجمع بين الحياء والحكمة. وأنتِ أقرب قلبًا وأصدق أثرًا من أي مصدر آخر.
همسة أخيرة:
كوني لها الأم الحانية، والمعلمة الهادئة، والمصدر الآمن، وستشكرك ابنتك يومًا – ولو بصمت – لأنك لم تتركيها وحدها في أول خطوة على عتبة حياتها الجديدة.
روابط ذات صلة: