حين تصطدم الدعوة بثقافة أخرى

Consultation Image

الإستشارة 22/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا داعية أعيش في بلد غير مسلم، أتعامل يوميًّا مع مسلمين من خلفيات ثقافية متعددة، ومع غير مسلمين لديهم تصوّرات مسبقة عن الإسلام. أحيانًا أشعر بالحيرة: كيف أقدّم الإسلام دون صدام ثقافي؟ وكيف أوازن بين الثبات على الثوابت ومراعاة السـياق؟

بل كيف أشـرح الدين بلغة يفهمها الآخر دون أن أفرغه من معانيه؟ أخشى أن أكون إما متشدّدًا فينفر الناس، أو متساهلًا فأُفرّط في الأمانة.

الإجابة 22/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

مرحبًا بك أيها الداعية في الثغر، وجعل الله مقامك هداية لا غربة، وما تذكره هو من أدق ميادين الدعوة وأشـرفها، إذ تجتمع فيه أمانة البلاغ مع حساسـية السـياق.

 

ويؤكد أهل العلم أن الدعوة في غير بيئتها الأصلية تحتاج إلى إعداد مركّب: إعداد عقدي راسخ، وفهم عميق للإنسان والسـياق.

 

أولًا: فرّق بين ثوابت الدين ومتغيّرات الثقافة؛ فالإسلام رسالة عابرة للثقافات، لا أسـيرة لها. وما كان من صلب العقيدة والعبادة والأخلاق فلا يُساوَم عليه، أما أنماط التعبير والعادات واللغة فمجال واسع للاجتهاد، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4] أي بلغة مفهومة، لا بمضمون مفرّغ.

 

ثانيًا: قدّم الإسلام باعتباره جوابًا عن الأسئلة لا خصمًا للثقافات؛ فكثير من الناس لا يبحث عن (دين جديد) بل عن معنى، وعدالة، وسكينة. فإذا خاطبت حاجاتهم الإنسانية المشتركة، فتحت القلوب قبل العقول، وكان النبي ﷺ في مكة يركّز على التوحيد والآخرة والقيم، لا على التفاصيل الفقهية.

 

ثالثًا: الدعوة في المهجر تبدأ بالصورة قبل العبارة؛ فسلوك الداعية، صدقه، التزامه بالقانون، إحسانه في العمل… كل ذلك خطاب دعوي صامت لكنه بالغ التأثير. وقد أسلم كثير من الناس بأخلاق المسلمين قبل كتبهم.

 

رابعًا: لا تستعجل النتائج ولا تخف من التدرّج؛ التغيير العميق في البيئات الجديدة بطيء بطبعه، وقد يمكث الداعية سنوات وهو يزرع الثقة قبل أن يسمع كلمة (حدّثني عن الإسلام)، قال ﷺ: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فجعل الأخلاق جسـرا لا سورًا.

 

خامسًا: كن ثابتًا من الداخل، مرنًا في العرض، فالثبات ليس جمودًا، والمرونة ليست تنازلًا. ومن جمع بينهما بلّغ بأمانة وحكمة.

 

وأنصحك ختاما بالآتي:

 

* ثبّت أصولك، ووسّع أدواتك.

 

* تعلّم ثقافة من تدعوهم قبل أن تدعوهم.

 

* اجعل الأخلاق بوابة التعريف بالإسلام.

 

* لا تتعجل حصادًا قبل موسم.

 

* تذكّر: أنت تمثّل الإسلام أكثر مما تشـرحه.

 

ونسأل الله أن يجعلك سفيرًا صادقًا لدينه، وأن يفتح بك قلوبًا قبل أن يفتح بك ألسنة، وأن يجزيك عن غربتك أجرًا مضاعفًا.

 

روابط ذات صلة:

الدعوة في المهجر دون الاصطدام بثقافة المجتمع

كيف أكون داعية ناجحة في المهجر دون إثارة حساسية الناس؟

كيف أدعو زملاء العمل في الغرب دون خرق القوانين؟

دعوة الأصدقاء في الغرب بين الخوف من الإرهاب ورجاء الهداية

الرابط المختصر :