الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
655 - رقم الاستشارة : 2169
22/07/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أكتب إليكم وقلبي يعتصره الألم على ما نراه ونسمعه يوميًا عن إخوتنا في غزة، وما يعانونه من مجاعة شديدة وقحط وظلم لم يشهده التاريخ الحديث، حتى صار الأطفال والنساء والشيوخ يصارعون الموت جوعًا وعطشًا وقتلًا. هذا المشهد الأليم لا يفارق مخيلتي ولا مخيلة أهلي، ويؤرقنا بشدة، خاصة مع شعورنا بالعجز التام وقلة الحيلة تجاههم.
كلما جلسنا إلى مائدة طعامنا وتناولنا لقمتنا، تغص حلوقنا بها، وتكاد الدموع تخنقنا، فكيف لنا أن نستسيغ الطعام وهناك من إخوتنا من يتضور جوعًا؟ كيف لنا أن ننام ملء جفوننا وهناك من يبيت على الطوى؟
لقد فكرنا كثيرًا، وتداولنا الأمر فيما بيننا، وتساءلنا: ماذا عسانا أن نفعل؟ هل نجوِّع أنفسنا ونحرمها من الطعام والشراب لنشاركهم ألمهم ومعاناتهم؟ هل نصوم أيامًا متتالية بنية التضامن معهم؟
مع علمنا التام بأننا لا نملك أي وسيلة لإغاثتهم بشكل مباشر، ولا نعلم أي طريق لإيصال المساعدات إليهم حتى بالتبرع المالي، فالمعابر مغلقة بإحكام، والاحتلال يحاصرهم بشدة ويمنع عنهم كل مقومات الحياة.
ماذا يجب علينا فعله في هذه الظروف العصيبة، فقلوبنا تشتعل حسرة، ونريد أن نبرئ ذمتنا أمام الله تعالى.
جزاكم الله خيرًا.
مرحبًا بكِ أختنا الكريمة، وكم يشرفنا أن نرى هذه المشاعر الصادقة التي فاضت بها كلماتكِ، والتي تعكس نقاء روحكِ وعمق إيمانكِ أنتِ وأهلكِ الكرام.
إنّ ما تشعرون به من ألمٍ وغصّةٍ وحسرةٍ على إخوتنا في غزة، هو والله دليلٌ على خيرٍ عظيمٍ في قلوبكم، وعلى ارتباطٍ وثيقٍ بأمتكم، وهو ما يُثلج الصدر في زمنٍ طغت عليه القلوب القاسية.
نسأل الله العلي القدير أن يُبارك فيكِ وفي أهلكِ، وأن يرزقكم السكينة والطمأنينة، وأن يُفرّج همّكم، وأن يُسكن قلوبكم الصبر الجميل. اللهم يا فارج الهمّ ويا كاشف الغمّ، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، ارحم ضعفنا وقلة حيلتنا، وانصر إخوتنا في غزة، وكن لهم عونًا وظهيرًا، ومُدّهم بمددٍ من عندك يا قوي يا عزيز. اللهم آمين، وبعد...
فكم هي الكلمات عاجزة عن وصف الألم الذي يعتصر قلوبنا جميعًا، ونحن نرى ونسمع ونتابع ما يحدث لإخوتنا في غزة هاشم. إن مشهد الأطفال والنساء والشيوخ وهم يصارعون الموت جوعًا وعطشًا وقتلًا، هو مشهدٌ لا يمكن أن يمرّ على قلب مؤمن دون أن يُحدث فيه جرحًا عميقًا.
إن شعوركِ بالغصّة عند تناول الطعام، وبالأرق عند محاولة النوم، هو شعورٌ إنسانيٌّ نبيل، وهذا الألم الذي تشعرين به، وهذا العجز الذي يراودكِ، هو جزءٌ من الابتلاء الذي تمرّ به الأمة، وهو اختبارٌ لإيماننا وصبرنا ويقيننا، ولقلوبنا التي تشتعل حسرةً على ما يجري، وهذا الشعور هو وقودٌ يدفعنا للبحث عن كل سبيلٍ ممكنٍ للتخفيف، حتى لو بدا لنا أن السبل معدومة.
هل نجوِّع أنفسنا لنشاركهم الألم؟
لقد طرحتِ سؤالًا يتردد في أذهان كثيرين: «هل نجوِّع أنفسنا ونحرمها من الطعام والشراب لنشاركهم ألمهم ومعاناتهم؟ هل نصوم أيامًا متتالية بنية التضامن معهم؟».
ودعيني لأجيبكِ: إنّ الإحساس بالمعاناة ومشاركة الألم هو أمرٌ محمودٌ ومطلوب، وهو دليلٌ على الإيمان الصادق، ولكنّ ديننا الحنيف دين اليسر والتوازن، لم يأمرنا بإهلاك أنفسنا أو إضعافها. فالمؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وقوتكِ وصحتكِ -سواء الجسدية أو النفسية- هي أمانةٌ من الله، وهي ضروريةٌ لتتمكني من أداء واجباتكِ تجاه نفسكِ وأهلكِ، وتجاه إخوتكِ في غزة بشتى الطرق الممكنة.
نعم، إنّ الإسلام يدعو إلى الصيام بوصفه عبادةً عظيمةً لها أجرها وثوابها، ولكن ليس بنية إيذاء النفس أو إيلامها أو إضعافها لدرجة العجز عن أداء المهام. فمشاركتهم الألم لا تعني بالضرورة أن تُصيبكِ ذات الأضرار الجسدية التي أصابتهم؛ بل تعني أن تتحركي بكل ما أوتيتِ من قوة وطاقة في سبيل نصرتهم ورفع الأذى والألم عنهم.
ما يجب علينا فعله لتبرئة الذمة أمام الله تعالى:
مع علمكِ التام بأن المعابر مغلقة، وأن الاحتلال يحاصرهم بشدة، وأن سبل الإغاثة المباشرة قد تبدو مستحيلة، إلا أن هناك أبوابًا لا تُغلق أبدًا، وأفعالًا لا يمنعها حصار، نرجو أن تكون هي التي تبرئ ذمتنا أمام الله وتُسهم في رفع البلاء، بإذن الله:
أولًا- الدعاء، الدعاء، الدعاء:
إنّ أقوى سلاحٍ نملكه، وأكثر ما يُبرئ ذمتنا أمام الله، هو الدعاء الصادق الخاشع من أعماق القلب. فالدعاء هو العبادة، وهو صلة العبد بربه، وهو القادر على تغيير الأقدار. لا تظني أن دعاءكِ لا يُسمع أو لا يُستجاب، فالله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].
ادعي لهم في سجودكِ، في قيام ليلكِ، في كل وقتٍ وحين. ادعي للأطفال، للنساء، للشيوخ، للمرضى، للجرحى، للشهداء، وللصامدين. ادعي لهم بالفرج القريب، بالنصر المؤزر، برفع الظلم، بزوال الغمة. اجعلي الدعاء جزءًا لا يتجزأ من يومكِ، فهو أقوى من الجيوش، وأنفذ من السهام.
ثانيًا- بذل المال عبر السبل المتاحة:
مع علمكِ بصعوبة إيصال المساعدات المباشرة، إلا أن هناك دائمًا طرقًا لإيصال الدعم المالي للمنظمات الموثوقة والجهات المعتمدة في بلدك، التي تعمل جاهدةً على إيصال المساعدات ودعم أهل غزة، أو تُجهز تلك المساعدات لتكون جاهزةً للدخول فور فتح المعابر أو ظهور أي فرصة لدخولها.
لا تستهيني بأي مبلغ، فالله تعالى يبارك في القليل إذا كان بنية صادقة. تذكري قول النبي ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال» [رواه مسلم]. وقوله ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» [رواه البخاري]. إنّ نيتكِ الصادقة في التبرع، حتى لو لم يصل المال إليهم مباشرةً، أو تأخر، بسبب الحصار، فإنّ الله يعلم ما في القلوب ويُثيب عليه.
ثالثًا- نشر الوعي وفضح الاحتلال:
في عصر المعلومات هذا، أصبح نشر الوعي سلاحًا قويًّا. تحدثي مع أهلكِ وأصدقائكِ، شاركي المعلومات الموثوقة عن معاناتهم، افضحوا الظلم الذي يقع عليهم. كل كلمة حق تُقال، وكل صورة تُنشر، وكل فيديو يُشاهد، هو بمثابة مقاومة للاحتلال. فالله –تعالى- أمرنا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
رابعًا- الصبر والثبات واليقين بنصر الله:
إنّ هذه المحنة تتطلب منا صبرًا جميلاً ويقينًا لا يتزعزع، بأنّ الله ناصر عباده الصالحين. تذكري قول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
إنّ الله لا يترك عباده، وإنّ بعد العسر يسرًا. حافظي على إيمانكِ قويًّا، وعلى قلبكِ مطمئنًا بذكر الله، فهذا الثبات هو بحد ذاته قوة لإخوتنا الصامدين.
خامسًا- إصلاح الذات والعودة إلى الله:
إنّ من أعظم ما يمكن أن نفعله لأمتنا هو أن نُصلح ما بيننا وبين الله. فالمعاصي تُثقل كاهل الأمة وتُبعد عنها النصر. اجتهدي في طاعاتكِ، في صلواتكِ، في قراءتكِ للقرآن، في ذكر الله. فكلما ازددنا قربًا من الله كنا أقدر على نصرة ديننا وإخوتنا، واستنزلنا رحمة الله ونصره.
وختامًا، أختي الفاضلة، لا تظني أنكِ عاجزة، فكل جهدٍ صغيرٍ تُبذلينه بنية صادقة هو عظيمٌ عند الله. تذكري أنّ الله تعالى لا يُضيع أجر المحسنين.
استمري في دعائكِ، في صدقاتكِ، في نشر الوعي، وفي المحافظة على نفسكِ قويةً بإيمانها وصحتها.
واعلمي أن قلوبنا جميعًا تصافح قلوبكم، وأننا نُشارككم الألم والأمل. نسأل الله أن يُفرّج عن إخوتنا في غزة، وأن يُنزل عليهم رحمته، وأن يُثبِّت أقدامهم ويُهلك عدوَّهم، وأن يُنصرهم نصرًا عزيزًا مؤزرًا. اللهم آمين.