ما الحكمة الربانية من مرض الأطفال وتألُّمهم؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الابتلاءات والمصائب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 129
  • رقم الاستشارة : 4500
08/04/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لماذا يمرض الأطفال ويتألمون رغم أنهم لا يجري عليهم القلم؟

ما الحكمة من ذلك؟

وهل يؤجر الطفل على ألمه ومرضه؟

الإجابة 08/04/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يمنحك طمأنينة اليقين، وأن يشفي كل طفل يتألم، ويجعل ألمهم بردًا وسلامًا على قلوب أهاليهم، وبعد...

 

بين محدودية العقل واتساع الحكمة الإلهية

 

إن الوقوف أمام أنين طفل صغير لا يملك من أمره شيئًا، لا شك هو من أصعب المواقف التي تهز الوجدان البشري، وتثير في النفس تساؤلات عميقة حول طبيعة الابتلاء ومفهوم العدل والرحمة. ولعل أول ما يجب أن نستحضره في هذا المقام هو أننا نعيش في دارٍ جعلها خالقها دار البلاء؛ حيث يقول سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، ويقول عز من قائل: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]، ويقول جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: 20]، ويقول عز وجل: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، وغيرها آيات كثيرة تؤكد هذه الحقيقة.

 

وميزان العقل البشري، رغم قدراته، يبقى قاصرًا عن إدراك التفاصيل الدقيقة لمراد الله في كونه؛ فنحن نرى الجزء والله يرى الكل، ونحن نرى المحنة والكسر، والله يرى العاقبة والجَبر.

 

وإذا كان القلم فعلًا لا يجري على الطفل بالتكليف والمحاسبة، فإن أقدار الله تجري على سائر الخلق، حتى الأنبياء والصالحون وكذلك الأطفال. وليس هذا عبثًا -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- بل لحكمٍ بالغة تتداخل فيها الرحمة بالابتلاء.

 

لماذا يمرض الأطفال؟

 

بالتأكيد هناك حكم إلهية جليلة، نستحضر منها:

 

1- ابتلاء الوالدين وتمحيص صبرهما:

 

الطفل هو ثمرة فؤاد والديه، ومرضه هو في الحقيقة اختبار لصبرهما ورضاهما. إن الله عز وجل يبتلي الأهل بمرض طفلهم ليرفع درجاتهم ويطهر نفوسهم. وفي الحديث القدسي العظيم: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد» [رواه الترمذي]. فإذا كان هذا الثواب العظيم عند الفقد، فما بالك بالأجر المترتب على السهر والرعاية والتألم لألمهم؟

 

2- إظهار عبودية الافتقار والتضرع:

 

أحيانًا يقسو القلب في غمرة النعم، فيأتي مرض الصغير ليرقق القلوب القاسية، ويسوق الوالدين والناس سوقًا إلى باب الله. حين يرى الأب عجزه أمام مرض طفله، يدرك حقيقة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. هذا الانكسار والتذلل لله هو لب العبادة ومقصودها.

 

3- تذكير الخلق بفناء الدنيا:

 

مرض الأطفال يكسر في الإنسان شعور الكبر والاستغناء، ويذكِّره بأن هذه الدنيا ليست دار استقرار ولا دار كمال، بل هي محطة قصيرة مشوبة بالأكدار، مما يحفز المؤمن للعمل لدار لا مرض فيها ولا تعب.

 

هل يؤجر الطفل على ألمه ومرضه؟

 

نعم، وبلا شك، فالكريم –سبحانه- لا يضيع مثقال ذرة. وهذا الأجر يتضح من زاويتين:

 

1- رفع الدرجات في الجنة:

 

الابتلاء نوعان: نوع لتكفير السيئات، وهذا لمن جرى عليه القلم. ونوع لرفع الدرجات، وهذا في حق الأنبياء والصالحين والأطفال. فالطفل الذي يتألم في الدنيا، يدخر الله له من النعيم في الآخرة ما يجعله ينسى كل ما مر به. وقد ورد في الحديث الشريف: «ما يصيب المسلم، من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» [متفق عليه]. وبما أن الطفل لا خطايا له، فإن هذا الأثر يتحول إلى رصيد من الحسنات ورفع في المقامات والمنازل عند الله تعالى.

 

2- شفاعة الأطفال لوالديهم:

 

مرض الطفل وألمه وصبر الأهل عليه، هو سبب في نيل الشفاعة يوم القيامة. وفي الحديث الصحيح: «ما مِنْ مُسلمَيْنِ يموتُ لهما ثلاثَةُ أوْلادٍ، لم يبْلُغُوا الْحِنْثَ، إلَّا أدخلَهما اللهُ بفضلِ رحمَتِهِ إيَّاهم الجنَّةَ، يقالُ لهم: ادخلُوا الجنَّةَ، فيقولونَ: حتى يَدْخُلَ أبوانا: فيُقالُ: ادخلُوا الجنَّةَ أنتم وأبواكم» [رواه النسائي]. فهذه الآلام وهذه المصائب هي استثمار أخروي عظيم للطفل ولوالديه.

 

ويُحكى أن أحد الصالحين رأى ابنه يتألم من مرض شديد، فكان الأب يبتسم وهو يواسي ابنه، فسُئل: كيف تبتسم وهو في هذا الحال؟ فقال: «أردتُ أن أُري ربي رضاي بقضائه، كما أراني قدرته في بلائه».

 

هكذا كان الصالحون يرون في المرض رسائل حب إلهية ترفعهم إلى مقامات القرب.

 

وختامًا أخي الكريم، اطمئن، فإن رب الصغير أرحم به من أمه وأبيه، وما من أنَّة يئنها طفل إلا وهي مسطورة في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى. إن هذا الألم ليس ظلمًا -حاشا لله- بل هو مقدمة لنعيم أبدي وتعويض إلهي لا يخطر على بال بشر.

 

فاللهم يا رحمن يا رحيم، أسألك بأسماك الحسنى وصفاتك العلى أن تشفي كل طفل مريض، وأن تفرغ صبرًا جميلًا على قلب والديه. اللهم اجعل أوجاعهما طهورًا ورفعة، وألبسهم ثوب العافية عاجلًا غير آجل. اللهم أصلح أحوالنا، واجعلنا من الراضين بقضائك، الشاكرين لنعمائك. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

5 أحوال يكثر المؤمن فيها من الحمد

الرضا والتسليم لله

الرابط المختصر :