الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
335 - رقم الاستشارة : 3816
12/01/2026
أنا رب أسرة قاربت الستين وأعمل في التجارة.
كيف أعرف أن البلاء الذي أتعرض له عقوبة أم رفع درجات أم تكفير سيئات؟
مرحبًا بك أيها الأخ الفاضل، وأشكرك شكرًا جزيلًا على ثقتك بنا وتواصلك معنا. أسأل الله أن يبارك في عمرك، وأن يفيض عليك من واسع فضله في تجارتك وأهلك، وأن يجعل ما أصابك بردًا وسلامًا على قلبك، وأن يرزقك طمأنينة النفس ورضا القلب ويجعل الجنة مثوانا ومثواك، وبعد...
فهم المؤمن لطبيعة البلاء
البلاء في المنظور الإسلامي ليس شرًّا محضًا؛ بل هو أداة لصقل النفس وربطها بخالقها. والله عز وجل يقول: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]. فالحياة كلها مضمار اختبار، والتاجر مثلك يعلم أن الأزمات في السوق أحيانًا تكون سببًا لإعادة الحسابات وتصحيح المسار لربح أكبر في المستقبل.
كيف تميز بين أنواع البلاء؟
العلماء -رحمهم الله- وضعوا «بوصلة قلبية» يستطيع من خلالها المؤمن أن يستشعر نوع البلاء الذي يمر به، وهي تعتمد بشكل أساسي على حالك مع الله أثناء البلاء، وليس على نوع المصيبة نفسها:
- علامات كونه عقوبة وتنبيهًا:
يكون البلاء عقوبة إذا كان العبد مقيمًا على معصية، أو غافلًا عن حق الله، أو متكبرًا بنعمه. وعلامة ذلك في قلبك:
الجزع والسخط: أن تشعر باعتراض داخلي على قدر الله، وتكثر من قول: «لماذا أنا؟».
الضيق والوحشة: أن تشعر ببعد بينك وبين الله، ولا تجد في الصلاة ولا في الذِّكر راحة.
التوقف عن المراجعة: ألَّا يدفعك هذا البلاء لتغيير سلوك خاطئ.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]. وهنا البلاء رحمة أيضًا، مع كونه عقوبة؛ لأنه «إنذار مبكر» لتعود قبل فوات الأوان.
- علامات كونه تكفيرًا للسيئات:
نحن بشر، والخطأ وارد مهما بلغنا من العمر والفضل. هذا النوع من البلاء يأتي ليمحو الذنوب حتى يلقى العبد ربه وما عليه خطيئة. وعلامته:
الإلهام بالاستغفار: تجد لسانك يلهج بـ«أستغفر الله» و«لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين».
السكينة بعد الألم: تشعر بوطأة المصيبة، ولكن يتبعها هدوء نفسي عجيب.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «ما يصيب المسلم، من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه» [متفق عليه].
- علامات كونه رفعًا للدرجات:
هذا بلاء الأنبياء والصالحين والمقربين. فقد يكون الله قد كتب لك منزلة في الجنة لن تبلغها بعملك، فيبتليك لترتقي إليها بصبرك. وعلاماته:
الرضا والتسليم: تجد قلبك مطمئنًا، وتقول من أعماقك: «الحمد لله».
زيادة القرب: يفتح الله عليك في البلاء أبواب المناجاة والدعاء والتضرع، ما لم تكن مفتوحة في الرخاء. يقول النبي ﷺ: «أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» [رواه الترمذي].
وختامًا أخي الغالي، وأنت تقارب الستين، اعلم أن الله إذا أحب عبدًا استعمله –كما قال ﷺ ولما سئل: كيف يستعمله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح قبل الموت» [رواه الترمذي].
فلا تشغل بالك كثيرًا بسؤال: «لماذا حدث هذا؟» ولكن اشغل بالك بـ: «كيف أتعامل مع ما حدث؟».
فاجعل لسانك رطبًا بذكر الله، واستثمر في تجارة الآخرة بالصدقة الخفية، والصبر الجميل، فربما كان هذا البلاء هو الباب الذي ستدخل منه إلى أعلى جنان الخلد.
أسأل الله العظيم أن يفرج همك، وينفِّس كربك، ويوسِّع رزقك، ويجعل هذه الشدة بردًا وسلامًا وعاقبة خير لك في دينك ودنياك، وأن يقر عينك بصلاح ذريتك ونجاح تجارتك.
روابط ذات صلة: