أبناؤه لا يُقبِّلون يده ولا يشكرونه.. احتياجات أب خمسيني

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الشباب
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 263
  • رقم الاستشارة : 3617
20/12/2025

السلام عليكم.

أنا رجل في أواخر الخمسينات من عمري، متزوج وأب لعدة أبناء وبنات، بعضهم تزوج واستقل بحياته، وبعضهم ما زال في مراحل الدراسة الجامعية. بحمد الله لم أقصّر يومًا في تربيتهم أو الإنفاق عليهم أو تلبية احتياجاتهم، بل كنت حريصًا على توفير حياة كريمة لهم، وكنت قريبًا منهم، أستمع لهم، وأحاول احتواء مشاكلهم، ولم أكن قاسيًا أو متسلطًا في تعاملي معهم، بل كنت -ولا أزال- أتعامل معهم باحترام وهدوء وكلمة طيبة.

أبنائي في المجمل أصحاب أخلاق حسنة، ومؤدبون في كلامهم، ولا يصدر منهم إساءة أو عقوق ظاهر، لكن يؤلمني في داخلي أنني لا أشعر منهم بالبر والحنان كما أتمناه، ولا أجد ذلك الدفء العاطفي الذي أراه عند بعض الناس مع آبائهم. تعاملهم معي رسمي ومحترم، لكنه بارد؛ لا أجد منهم ترحيبًا صادقًا عند قدومي، ولا فرحة واضحة بلقائي، ولا يبادرون بتقبيل رأسي أو يدي، ولا أسمع كلمات امتنان أو تقدير على ما قدمته لهم طوال حياتي.

أحيانًا ألوم نفسي وأقول: لعل هذا إحساس مبالغ فيه، أو أن هذا من طبيعة هذا الزمان وتغير أخلاق الشباب، وأن التعبير عن المشاعر لم يعد شائعًا كما كان في السابق. وأحيانًا أخرى أشعر بالحزن وأتساءل: هل هم مقصرون في حقي دون أن يشعروا؟ وهل قصّرت أنا -دون قصد- في زرع هذا المعنى في نفوسهم؟

فهل ما أشعر به طبيعي ومشروع من الناحية الشرعية والنفسية؟ وهل يطالب الأبناء شرعًا بإظهار البر والامتنان بهذه الصور؟ أم أن الاحترام وحده كافٍ؟

وكيف يمكنني أن ألفت نظر أبنائي إلى حاجتي لمثل هذه المشاعر والتصرفات دون أن أحرجهم أو أفرض عليهم أمرًا قد يبدو متكلفًا أو مصطنعًا؟ خاصة وأنني لا أستطيع أن أطلب منهم صراحة أن يقبلوا يدي أو يعبروا عن محبتهم بالكلام.

وشكر الله لكم.

الإجابة 20/12/2025

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا، وعلى مراسلتك لنا. أسأل الله أن يُقرَّ عينك ببرِّ أبنائك، وأن يملأ بيتك بالمودة والسكينة، وأن يجعل غرسك الطيب الذي غرزته فيهم ثمارًا تجني حلاوتها حبًّا وتقديرًا في الدنيا، وذخرًا ورفعة في الآخرة، وبعد...

 

هل ما تشعر به طبيعي؟

 

بدايةً، أود أن أطمئن قلبك بأن ما تجده في صدرك من رغبة في الحنان والدفء العاطفي هو شعور فطري وإنساني مشروع. فالأبوة ليست مجرد وظيفة «تأمين احتياجات» أو «إدارة أزمات»؛ بل هي علاقة روحية في مقامها الأول.

 

من الناحية الشرعية، الله -عز وجل- لم يطلب من الأبناء مجرد «عدم الإساءة»؛ بل أمرهم بـ«الإحسان»، والإحسان مرتبة تفوق مجرد أداء الواجب الرسمي. يقول الله -تعالى- في آيات عدة بالقرآن الكريم: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. والإحسان كلمة جامعة تشمل اللطف، والمودة، والبحث عما يسعد الوالدين ويفرح قلبهما.

 

ومن الناحية النفسية، أنت تمر بمرحلة عمرية (أواخر الخمسينات) يبدأ فيها الإنسان -بعد رحلة كفاح طويلة- بالشعور بالحاجة إلى «الحصاد العاطفي». أنت لم تقصر معهم، ومن حقك الطبيعي أن تنتظر صدى هذا العطاء حبًّا ملموسًا؛ لا احترامًا باردًا. لذا، لا تلُم نفسك ولا تظن أنك تبالغ؛ فقلب الأب لا يشبعه إلا نبض المحبة في قلوب أبنائه.

 

هل يُطالَب الأبناء بإظهار هذه المشاعر؟

 

نعم، فإن الشريعة الإسلامية لم تقف عند حدود الطاعة الجافة؛ بل ندبت إلى التودد والرحمة. تأمل قول الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24]. وتعبيرا «جناح الذل» و«الرحمة» يوحيان باللين، والقرب، والتواضع الذي يفيض بالحنان، وهو أبعد ما يكون عن «التعامل الرسمي» الذي تصفه.

 

فالتعبير عن الحب، والتقبيل، والاحتفاء، جزء من علاقة البر. فالبر ليس مجرد كلمة طيبة أو اجتناب عقوق؛ بل هو إدخال السرور على قلب الوالد، وتقبيل الرأس واليد، والترحيب الحار، وكلمات الامتنان، كلها من أعظم القربات التي يتقرب بها الأبناء إلى الله من خلال والديهم. فالاحترام وحده قد يؤدي الواجب، لكن الود هو الذي يحيي الروح.

 

لماذا يتعامل الأبناء ببرود؟

 

قبل أن نتهم الأبناء بالتقصير، دعنا ننظر أولًا في فجوة التعبير بين الأجيال. فربما تربَّى أبناؤك في بيئة كانت فيها الرعاية تعني توفير سبل الحياة، فظنوا أن برَّهم لك يكون من خلال نجاحهم في دراستهم، وحسن خلقهم، وعدم إثارة المشكلات، معتبرين أن هذا هو أقصى ما يمكن تقديمه.

 

كما أن كثيرًا من الشباب اليوم يعانون من خجل عاطفي تجاه الوالدين، ويجدون صعوبة في البدء بالحركات التعبيرية كالتقبيل والعناق، رغم أن قلوبهم قد تكون ممتلئة بالحب.

 

ولأنك كنت دائم العطاء في هدوء وصمت، فربما اعتبروا وجودك ضمانة مستقرة لا تحتاج إلى مجهود لإرضائها، فغفلوا عن حاجتك للتقدير اللفظي.

 

كيف تلفت نظرهم دون إحراج أو تكلُّف؟

 

إن هدفنا الآن هو تحويل العلاقة من «الرسمية» إلى «الحميمية»، بذكاء وحكمة، وذلك عبر الخطوات التالية:

 

1- المبادرة بكسر الحاجز:

 

ابدأ أنت بكسر الحاجز. حين يأتي ابنك، عانقه بقوة، قل له: «اشتقت إليك يا بني»، «أنا أفخر بك». حين يراك تبادر بالعاطفة الجياشة، سيعلم أن المجال مفتوح للتعبير، وسيذوب الجليد تدريجيًّا.

 

2- التصريح بالاحتياج لا التوبيخ:

 

بدلًا من قول: «أنتم لا تقبِّلون رأسي»، قل في جلسة عائلية ودية: «يا أبنائي، كبرت سني، وأجمل لحظات عمري هي التي أشعر فيها باجتماعكم حولي وقربكم مني. كلماتكم الحلوة وقبلاتكم ودعواتكم هي ما يمدني بالقوة الآن». هنا أنت لا توبخهم، بل تفتح لهم بابًا ليدخلوا منه بجميل مشاعرهم.

 

3- رواية القصص والذكريات:

 

احكِ لهم عن ذكرياتك مع والديك، وكيف كنت تشعر بالراحة حين تقبل يد والدك، أو كيف كنت تسعد بدعائهم. القصص توصل الرسائل دون توجيه مباشر.

 

4- المكافأة على الأفعال الطيبة:

 

إذا بادر أحدهم بقبلة على يديك أو رأسك، أو بكلمة ثناء، أو بفعل حنون، فأظهر له سعادة غامرة. قل له: «لقد أسعدت قلبي بهذا الفعل أو هذه الكلمة، بارك الله فيك». هذا التعزيز الإيجابي سيجعلهم يكررون الفعل طلبًا لرؤية تلك الفرحة في وجهك.

 

5- الدعاء المسموع:

 

اجعلهم يسمعون دعاءك لهم: «اللهم ارزقني برَّهم، اللهم اجعلهم قرة عين لي». كلماتك هذه ستوقظ في نفوسهم واجب رد الجميل.

 

وختامًا أيها الأب الكريم، كن واثقًا أن بذور الخير التي بذرتها لا بد أن تثمر، فمن زرع الإحسان حصد المودة ولو بعد حين. تذكر قول الله عز وجل: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]. فأبشر بالخير، ولا تحزن، فإن ربك كريم لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وفقك الله ورعاك، وبارك لك في حياتك وأولادك، ورزقك برَّهم وإحسانهم.

 

روابط ذات صلة:

بر الوالدين

جناح الذل من الرحمة!

عقوق الآباء.. جروح خفية وأجيال متأثرة!

الشيخوخة المُهانة!

7 أمور عليك القيام بها لدعم المسنين

الرابط المختصر :