توفي رجل في حادثة شبه قتل فأُجري له تشريح مرة لتحديد سبب الوفاة. ثم طلب الطبيب الشرعي إعادة التشريح مرة ثانية للتأكد من نتيجة معينة. خرج شخص مشهور في وسائل التواصل وقال: "إن تكرار تشريح الجثة مرتين دليل على سوء خاتمة هذا الرجل"، ما مدى صحة استدلال للرد على هذا الشخص بقول السيدة أسماء في هذه الحالة؟عندما قالت لابنها عبد الله بن الزبير: "ما يضر الشاة سلخها بعد ذبحها" على زعمه أن من يُشرح جسده بعد الموت فقد ساءت خاتمته.
الحمد لله وحده،
والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأهلاً وسهلا بك أخي الكريم، ثم إن هذا
الادعاء الذي أطلقه أحد مشاهير التواصل الاجتماعي هو ادعاء باطل شرعًا، وتخرُّص
على الغيب بلا علم، واستدلالك بقول السيدة أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- هو
استدلال صحيح وفي محله تماماً.
اختصارًا: إن تكرار
تشريح الجثة لأغراض جنائية أو طبية لا علاقة له مطلقًا بسوء الخاتمة؛
فسوء الخاتمة يتعلق بحال العبد مع ربه لحظة خروج الروح، لا بما يقع على جسده من
إجراءات بعد موته. والقول بأن التشريح دليل على سوء الخاتمة هو من قبيل
"الرجم بالغيب" والقول على الله بغير علم. واستشهادك بمقولة السيدة
أسماء -رضي الله عنها- دقيق جدًّا في توضيح أن ما ينال الجسد بعد الموت لا يضر
الروح ولا ينقص من قدر المتوفى عند خلقه.
مفهوم سوء الخاتمة من أقوال العلماء:
سوء الخاتمة في المنظور الشرعي -كما قرره
العلماء كابن رجب الحنبلي وابن القيم وغيرهما- هو أن تأتي المنيةُ العبدَ وهو في
حالة إعراض عن الله، أو مقيم على معصية كبيرة، أو أن يفسد قلبه عند الموت بشك أو
سخط.
• علاماتها: أن يُحرم العبد النطق
بالشهادة، أو
يموت وهو يرتكب محرمًا، أو يموت وهو كارهٌ للقاء الله.
• ضابطها: هي أمرٌ يقع بين العبد وربه في لحظة النزع وخروج الروح. أما ما يحدث للبدن بعد ذلك من
تغسيل، أو تكفين، أو تشريح، أو حتى اعتداء بغير حق، فهو أمر خارج عن إرادة المتوفى
وكسبه، ولا يؤثر في مآله عند الله.
بيان الحكم الشرعي في الواقعة محل السؤال:
1. مشروعية التشريح: قررت
المجامع الفقهية (مثل مجمع الفقه الإسلامي الدولي) جواز تشريح جثث الموتى لأغراض
جنائية إذا كان هناك شبهة جريمة، وذلك لتحقيق العدالة وحفظ الحقوق. تكرار التشريح
لضبط النتيجة هو إجراء تقني لضمان الدقة ولا يحمل أي دلالة دينية.
2. صحة الاستدلال بقول السيدة أسماء: عندما
قُتل عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- وخافت أمه السيدة أسماء من تمثيل الأعداء
بجثته، قالت كلمتها الخالدة: "يا بني، إن الشاة لا يضرها سلخها بعد
ذبحها".
هذا القول قاعدة جليلة تفيد بأن
"الألم" و"الكرامة" المرتبطة بالجسد الدنيوي تنقطع بمجرد خروج
الروح، فإذا استوجبت المصلحة الشرعية ككشف جريمة مثلا تشريح الجسد، فإن هذا
"السلخ" لا يضر المتوفى في دينه ولا في خاتمته، بل قد يكون سببًا في
نصرة مظلمته وإحقاق الحق له.
وإن خطورة ما قاله هذا الشخص تكمن في
أمرين:
1. الافتراء على الله: ربط
إجراء طبي/ جنائي بتقدير إلهي (سوء الخاتمة) هو ادعاء بعلم الغيب، وهو أمر استأثر
الله به.
2. إيذاء أهل الميت: مثل هذه
التصريحات تسبب فتنة وفجيعة لأهل المتوفى بلا مستند شرعي، وهو من ترويع المسلمين
المنهي عنه.
وختامًا: أخي
الكريم منذ متى والمسلمون يأخذون أحكام دينهم من مشاهير التواصل الاجتماعي، العلم
الشرعي يُؤخذ من أهله المتخصصين الذين يفرقون بين "القدر الإلهي"
و"الإجراءات البشرية"، ولا يجوز جعل المنصات العامة ساحة لإصدار أحكام
أخروية على الناس بناءً على ظواهر دنيوية لا دخل لهم فيها. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
في سن الستين.. هل ثمَّة علامات تدلُّ على حُسن الختام؟