<p dir="RTL" style="margin-bottom:7.5pt;text-align:justify;direction:rtl; unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; color:#1F1F1F">كان حلمي وحلم زوجي -رحمه الله- أن نحج معًا، ادخرنا المال لسنوات، لكنه انتقل إلى رحمة الله منذ عامين، دون أن نحج.<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="margin-bottom:7.5pt;text-align:justify;direction:rtl; unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; color:#1F1F1F">سأحج هذا العام مع ابني، ولكني أشعر بغصة شديدة وألم في قلبي لافتقادي زوجي في هذه الرحلة. وأشعر أنني في كل منسك من المناسك سأرى وجه زوجي أمامي وأتذكر اشتياقه للحج وانتظاره له. <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";color:#1F1F1F;mso-ansi-language:EN-US; mso-fareast-language:EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">كيف أتجاوز هذه المشاعر ليكون حجي خالصًا لله؟ وهل يجوز لي أن أشركه في نية حجي هذا العام ليرتاح قلبي؟</span>
مرحبًا
بك أيتها الأخت الفاضلة، وأشكرك جزيل الشكر على ثقتك بنا وعلى تواصلك معنا. وأسأل
الله أن يربط على قلبك، وأن يغفر لزوجك ويرحمه ويسكنه فسيح جناته، وأن يتقبل منك،
وأن يجعل حجك مبرورًا، وسعيك مشكورًا، وذنبك مغفورًا، وأن يقر عينك بصلاح ابنك
وبره، وبعد...
فإن
مشاعر الفقد التي تمرين بها هي دليل على وفائك لزوجك رحمه الله، وصدق المحبة التي
جمعتك به على طاعة الله -عز وجل- والسعي لطاعته، والمشاركة فيها معًا، وهي مشاعر
إنسانية نبيلة تُؤجران عليها من الله تعالى.
والحج
-أختي الفاضلة- رحلة روحية عظيمة، ومن الطبيعي أن يستذكر الإنسان فيها أحب الناس
إليه؛ خصوصًا من شاركوه تعب الحياة وأحلامها. ولكن، لكي تكتمل هذه الرحلة وتؤتي
ثمارها الإيمانية، لا بد من تحويل هذه الغُصة إلى طاقة إيمانية وعمل صالح ينفعك
وينفع زوجك رحمه الله.
كيف
تتجاوزين مشاعر الألم؟
إن
إخلاص النية لله لا يعني تجرد الإنسان من مشاعره البشرية؛ بل يعني توجيه هذه
المشاعر الوجهة الصحيحة. وإليك هذه الخطوات لتجاوز الألم وتحقيق الإخلاص لله -عز
وجل- في هذه العبادة العظيمة:
1-
الرضا بقضاء الله وقدره واليقين بحكمته:
إن
أساس راحة القلب وسكينته يكمن في التسليم المطلق لمراد الله، واليقين بأن ما
أصابنا لم يكن ليخطئنا. فاستقبلي رحلتك هذه بقلب راضٍ عن قضاء الله وقدره،
مستحضرةً ثواب الصابرين الذين أثنى الله عليهم في كتابه بقوله: ﴿وَبَشِّرِ
الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ
وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155- 157]. فالاسترجاع عند
تذكر غياب زوجك ليس مجرد كلمات؛ بل هو إعلان بأننا وأحبابنا لله، وإليه المرجع،
وهو مفتاح السكينة التي تبرد حرارة الحزن.
ولا
يفتر لسانك مع الاسترجاع عن دعاء: «اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها»،
واسألي الله دائمًا الصبر والتثبيت، فإن القلوب بيد الرحمن يربط عليها ويملؤها
طمأنينة متى ما صدقت في اللجوء إليه.
2-
استحضار فضل النية الصادقة لزوجك:
اطمئني
تمامًا أختي الفاضلة، فزوجك الذي ادَّخر معك المال لسنوات بنية الحج قد كتب الله
له أجر الحج كاملًا بفضله وكرمه، وإن لم يصله بجسده. يقول النبي ﷺ: «إنَّما
الأعمال بالنيَّات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى» [متفق عليه]. فزوجك الآن في ضيافة
الرحمن بنيته الصادقة بإذن الله، وهذا يبعث لديك الراحة والسكينة.
3-
الدعاء له كلما تذكرتِه:
بدلًا
من أن يكون تذكُّر وجه زوجك في المناسك سببًا للحزن، اجعليه سببًا للدعاء له.
فكلما لاح في خاطرك، ارفعي يديك إلى السماء وقولي: «اللهم ارحمه باشتياقه الذي كان
لهذا المكان، واعفُ عنه بتوقه الذي كان لهذه الفريضة». فأعظم هدية تقدمينها له في
تلك البقاع الطاهرة هي الدعاء، وقد قال النبي ﷺ في الأعمال التي لا ينقطع أجرها عن
الميت: «... أو ولد صالح يدعو له» [رواه مسلم]، وابنك معك، فاجعلاه حجًّا مليئًا
بالدعاء لوالده.
4-
استشعار معية الله وعظم الموقف:
تذكَّري
أنك ذاهبة تلبية لنداء الله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27].
وستكونين خلاله ضيفة الرحمن، والضيف لا ينشغل عن كرم مضيِّفه. فحاولي استحضار عظمة
من تقفين بين يديه، وتذكري أن الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، وأن اللقاء
الحقيقي والدائم سيكون في جنات النعيم؛ حيث لا فراق ولا ألم.
روَى
لي صديق أنه كان يطوف بالبيت ويبكي شوقًا لقريب له غيَّبه الموت، فنبهه رفيق له
قائلًا: «أنت في بيت مَن لا يغيب، فسل الحي الذي لا يموت أن يجمعك بفقيدك في دار
كرامته». فحوَّل الرجل بكاء الحزن إلى بكاء رجاء ودعاء، فاستراح قلبه وأقبل على
عبادته.
حكم
إشراك الزوج في نية الحج
هذه
المسألة فيها تفصيل دقيق لنجمع بين الحكم الشرعي الصحيح في هذه المسألة، وبين
الرغبة في نفع زوجك المتوفى رحمه الله:
هذا
هو حجك الأول (حج الفريضة)، ولا يجوز شرعًا أن تكون نية الحج مشتركة بين شخصين في
وقت واحد؛ لأن الحج عبادة بدنية واجبة على المستطيع، ولا يجوز لأحد أن يحج عن أحد
إلا إذا كان قد حجَّ عن نفسه أولًا. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. لذا، يجب أن
تنوي أنت الحج عن نفسك في هذا العام، لتسقطي عنك الفريضة، ثم يمكنك في عام قادم أن
تحجي عن زوجك، أو تنيبي أحدًا غيرك قد حج من قبل ليحج عن زوجك.
لكن
-فضلاً من الله- بإمكانك بعد عقد نية الحج عن نفسك هذا العام، أن تسألي الله
-تعالى- أن يهب لزوجك «مثلَ» أجر حجك، أو أن تشركيه معك في ثواب الأعمال الصالحة
التابعة للحج؛ كالدعاء، والصدقة، والأذكار، والطواف التطوعي. ففضل الله واسع،
وإهداء الثواب للميت جائز ومستحب ويصله بإذن الله، على قول بعض أهل العلم.
وختامًا
أختي الفاضلة، اجعلي من غُصة قلبك دافعًا لمناجاة الله، وتذكري أن زوجك لو كان معك
الآن لسرَّه أن يراك مقبلة على الله بقلب حاضر وخاشع. وابنك الذي يرافقك هو ثمرة
رحلتك الطيبة مع زوجك، فانظري إليه كأمانة وجسر يصل دعاءك بدعائه لوالده. اذهبي
بقلب مطمئن، واستودعي الله أحزانك، فهو سبحانه خير الحافظين وأرحم الراحمين.
تقبل
الله منك، وجمعك بزوجك في مستقر رحمته.
روابط
ذات صلة:
رحلة العمرة والحج فرصة للتغيير الروحي والدعوي