ما هي مظاهر اهتمام الحضارة الإسلامية بالمعاقين؟

كيف رعت الحضارة الإسلامية المعاقين وكفلت لهم الرعاية والحماية والكرامة وهي بيئة خصبة للإبداع والتفوق فظهر الكثير منهم كعلماء كبار؟

أخي الكريم، اهتمت الحضارة الإسلامية بالإنسان اهتمامًا كبيرًا، وأولته رعايتها، على اعتبار أن الدين جاء لصالح الإنسان وصلاحه، وأعطت لكل فئة من مكونات المجتمع اهتمامًا خاصًّا، ومن هؤلاء الذين حظوا بالعناية والرعاية والحماية، فئة المعاقين، أو من نسميهم في عصرنا الحالي "ذوي الهمم"، حيث نظرت الحضارة الإسلامية إليهم نظرة رحمة وتقدير، وسهلت لهم الوسائل للتفوق والتقدم؛ ولذا وجدنا الكثير منهم من العلماء الكبار الذين أثروا علوم الإسلام المختلفة ومعارفه.

 

بين عقوبة الذنب وغياب الفائدة

 

أخي الكريم، في البداية نشير إلى أن الإعاقة نظرت إليها بعض الاتجاهات الفلسفية والدينية إما أن أنها عبء يجب التخلص منه، وإما ذنب يجب التخلص منه كذلك، وما بين هاتين الرؤيتين الظالمتين عانى المعاقون وظلموا كثيرًا، فمثلاً كانت القوانين في إسبرطة وأثينا القديمة تسمح بالتخلص من المعاقين، وبخاصة غير اللائقين للخدمة العسكرية، حتى إن الفيلسوف "أفلاطون" اعتبر فئة المعاقين فئة ضارة على المجتمع.

 

وقد عرفت المسيحية اتجاهات جائرة في التعامل مع ذوي الإعاقة فرآه البعض ابتلاء، ورأى آخرون أن المعاق إنسان وقع عليه عقاب السماء ويجب ألا يتعاطف المجتمع معه، وتذكر كتب التاريخ أن المصلح الشهير "مارتن لوثر" (المتوفى 1546م) نظر للإعاقة على أنها عقوبة بسبب الذنب، حتى إنه أوصى أمير مدينة "ديساو" الألمانية بإغراق صبي صغير ذي إعاقة، وعندما رفض هذا المقترح، قال لوثر للأمير: "يجب على المسيحيين أن يصلوا كل يوم للشيطان، ليبعد عنهم هذا الصبي"، واستمرت هذه الرؤية في المسيحية بعد ذلك لقرون، والتي ترى في الإعاقة نوعًا من العقوبة على الذنب.

 

ومع نظرية "داروين" التي تبنت "البقاء للأصلح"، رأى بعض الفلاسفة الغربيين مثل الفيلسوف الإنجليزي "هربرت سبنسر" (المتوفى 1903م) أن النظام الاجتماعي محكوم بمبدأ "البقاء للأصلح"، وأن مساعدة هذه الفئة من الناس تثقل كاهل المجتمع دون أي فائدة، وربما هذه الآراء هي التي أيدت التعقيم القسري لذوي الإعاقات، أو عزلهم في مؤسسات.

 

ووصل التطرف والظلم ضد ذوي الإعاقة مع النازية التي تبنت برنامجًا سريًّا، عرف باسم "أكتيون تي 4" (Aktion T4) للتخلص من ذوي الإعاقة الجسدية عام 1939، حيث نُظر إلى المعاقين على أنهم عبء يجب التخلص منه، وتم قتل ما يقرب من (300) ألف شخص من ذوي الإعاقة في هذا البرنامج بالغاز السام.

 

اهتمام الحضارة الإسلامية بالمعاقين

 

أخي الكريم، مما يحسب للحضارة الإسلامية أنها شجعت ذوي الاعاقات على الاندماج في المجتمع، وسعت لجذبهم من هوامش الحياة التي تنهش إنسانيتهم، لترسم لهم مسارًا للحياة الكريمة والنبوغ في ظل رعايتها.

 

وكان من عنايتها أن رفضت رفضًا قاطعًا التصور الذهني الذي يرى أن الإعاقة هي نوع من العقاب الإلهي، وأن على المجتمع أن يُنزل هو أيضًا عقابه على الإنسان المعاق الذي حلت عليه عقوبة السماء، وغيرت الرؤية الإسلامية هذا التصور الخاطئ واللاإنساني، ورأت أن وجود الإعاقة أو حدوثها للإنسان هو نوع من الابتلاء أو الاختبار للإنسان، يمنحه الله تعالى الثواب الجزيل عليه في حال صبره، وتفاعله مع إعاقته بإيجابية، وذكرت نصوص في السنة النبوية أن من صبر على فقد عينيه فله الجنة.

 

وعلى مدار تاريخ الحضارة الإسلامية كان الاهتمام بالمعاقين حاضرًا، فعلى سبيل المثال كان هناك جهود لتخفيف معاناة المعاقين المعيشية والاجتماعية والإنسانية، ففي خلافة عمر بن عبد العزيز تم إحصاء للمعاقين وتخصيص قادة للمكفوفين ليساعدوهم في شئون حياتهم، ووجدنا القفه الإسلامي يُلزم الدولة في بعض مذاهبه بتوفير نفقة المعاقين.

 

وأنشئت مؤسسات طبية ورعائية للمعاقين للعناية بهم ورعايتهم، فالخليفة الأموي "الوليد بن عبد الملك" أنشأ أول مستشفى لرعاية المجذومين عام (88هـ)، وأنشئت مستشفيات لرعاية المجانين، وأنشأ الخليفة العباسي المأمون ملاجئ ودور لرعاية المكفوفين والنساء العجائز مثل "دير حزقيال" بين واسط وبغداد، وكان الخليفة العباسي المتوكل يتفقد المرضى فيه.

 

وقد عرفت الحضارة الإسلامية عددًا من المعاقين كانت لهم مكانة علمية وحضارية، مثل:

 

- محمد بن سيرين: أشهر مفسري الأحلام في الحضارة الإسلامية، وكان أصمَ، وعالمًا بالحديث وفقيهًا وإمامًا واسع العلم.

 

- بشار بن برد، الذي وُلد كفيفًا ثم أُصيب بالجدري، وهو من أشهر الشعراء العباسيين.

 

- أبو العلاء المعري: وكان كفيفًا ومن أشهر الشعراء الفلاسفة في التاريخ الإسلامي.

 

- موسى بن نصير: فاتح الأندلس وكان أعرجَ.

 

- موسى بن مهران الأعمش: التابعي وكان من كبار علماء الحديث والإقراء، وكان ضعيف البصر، ولذا سمي بالأعمش.


موضوعات ذات صلة:

الاعتناء بالصحة قصة أخلاقية في الحضارة الإسلامية

هل اهتمت الحضارة الإسلامية بعلم النفس؟

الفكاكون..مهنة نادرة في الحضارة الإسلامية

كيف أنقذت الحضارة الإسلامية أسراها؟

هل عرف تراثنا الاهتمام بالترفيه؟