<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;line-height:107%;font-family:mylotus">هل الحكمة من فرض العدة على المرأة إذا كانت مطلقة أو توفي عنها زوجها هي استبراء الرحم فقط ولماذا العدة الآن إذا كنا نستطيع عن طرق الأجهزة الحديثة معرفة براءة الرحم على وجه التحديد؟</span></p><br>
بسم
الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فالعدة
واجبة على المرأة التي دخل بها زوجها بخلاف المطلقة قبل الدخول فلا عدة لها،
والحكمة والمقصد الأساس من تشريعها براءة الرحم، ولكن ليس هو المقصد الوحيد، فمن
المقاصد أيضًا إعطاء فرصة للمراجعة وإصلاح ذات البين، وتعظيم عقد النكاح، وإعطاء
فرصة للمرأة حتى تفكر فيما مضى من تجربة قاسية على نفسها وتستخلص منها الدروس
والعبر لعلاقة جديدة لا تكرر فيها أخطاء التجربة الأولى إن وجدت، ومنها مراعاة
شعور أهل الزوج والوفاء له في المتوفى عنها زوجها، ومن أهمها أيضًا التعبد فيما
غابت عنا حكمته.
وفي
واقعة السؤال معرفة استبراء الرحم عن طريق الوسائل الحديثة لا تبطل أحكام العدة،
لأنها أمر تعبدي أولا، ولوجود حكم ومقاصد أخرى ثانيا.
حكم
متعددة وليست حكمة واحدة
الحكمة
من تشريع العدة للمرأة (سواء كانت للمطلقة أو المتوفى عنها زوجها) متعددة الجوانب،
وتظهر فيها رعاية الإسلام للمرأة والأسرة والمجتمع، ومن هذه الحكم والمقاصد:
أولاً:
استبراء الرحم وحفظ الأنساب: وهذه هي الحكمة الأظهر والأكثر وضوحًا. العدة هي
وسيلة للتأكد من براءة رحم المرأة من الحمل، حتى لا تختلط الأنساب.
إن
حفظ الأنساب مقصد مهم من مقاصد الشريعة الكبرى، فبه تُحفظ الحقوق (كالميراث
والنفقة)، وتُعرف مسؤوليات التربية، ويُبنى مجتمع سليم لا شكوك فيه. يقول الله
تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (الطلاق:
4).
ثانيا:
إعطاء فرصة للمراجعة وإصلاح ذات البين (في حالة الطلاق الرجعي): في حالة الطلاق
الرجعي (الطلقة الأولى والثانية)، تُعتبر فترة العدة فرصة ثمينة للزوجين. إنها
ليست مجرد فترة انتظار، بل هي فترة تفكّر وهدوء ومراجعة. قد يكون قرار الطلاق قد
اتُخذ في لحظة غضب أو انفعال، فتتيح العدة للزوجين أن يتخلصا من الغضب والانفعال
ويأخذا القرار الصحيح بالاستمرار أو إنهاء العلاقة الزوجية، وهذا القرار المهم
والصعب لا يؤخذ في حالة الغضب، وقد نهى النبي ﷺ أن يقضي القاضي وهو غضبان يقول الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ
بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (البقرة: 228).
ثالثا:
التعبّد والامتثال لأمر الله: قبل كل حكمة دنيوية، العدة هي أمر من الله،
وامتثالنا له هو عبادة نؤجر عليها. قد نفهم الحكمة أو لا نفهمها، لكن المؤمن الحق
يقول: "سمعنا وأطعنا". إن خضوعنا لأمر الله وتسليمنا لحكمه هو جوهر
الإيمان، وفيه خير عظيم لنا في الدنيا والآخرة، ولا مانع من البحث عن الحكم
والمقاصد بعد الامتثال لأمر الله فلا تعارض بين التعبد والبحث عن المقصد.
رابعًا:
إظهار عظمة عقد الزواج وخطورة إنهائه: الزواج في الإسلام ميثاق غليظ، وليس عقدًا
عابرًا يمكن الدخول فيه والخروج منه بسهولة. فترة العدة تعطي هذا الميثاق هيبته
وقداسته. إنها تذكرة للجميع بأن إنهاء هذه العلاقة المقدسة ليس أمرًا هيّنًا، بل
له تبعاته وآثاره التي تستدعي التروي والتأمل.
خامسًا:
رعاية الجانب النفسي والعاطفي للمرأة: الفراق، سواء بالطلاق أو بالوفاة، هو حدث
جلل يترك أثرًا نفسيًّا عميقًا. العدة تمنح المرأة وقتًا كافيًا لتجاوز صدمة
الفراق، والتعافي عاطفيًّا، وتهيئة نفسها نفسيًّا لمرحلة جديدة في حياتها. من
الظلم للمرأة أن تُدفع مباشرة إلى علاقة جديدة وهي لا تزال تحمل آثار علاقتها
السابقة.
سادسًا:
إظهار الوفاء للزوج المتوفى وحفظ ذكراه: في حالة عدة الوفاة، هناك معنى إضافي وهو
الوفاء لذكرى الزوج الراحل وحق العشرة التي كانت بينهما. فالإحداد الذي تلتزم به
المرأة في هذه الفترة (بعدم الزينة والتطيّب) هو تعبير عن الحزن المشروع، وتكريم
لهذه العلاقة التي انتهت بالموت. وهذا لا يعكس ضعفًا، بل هو تقدير واحترام للميثاق
الذي جمعهما.
والله
تعالى أعلى وأعلم
روابط
ذات صلة:
ذكر عدة المرأة التي لا تحيض هل يجيز البناء بالقاصرات؟
ما يحل للمرأة المعتدة عدة وفاة الزوج