الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
5 - رقم الاستشارة : 5518
06/08/2026
أنا سيدة متزوجة، وتوفي والدي وترك لنا إرثاً كبيراً، ويضغط عليّ زوجي بشتى الوسائل لأقوم بتوكيله لإدارة نصيبي من الميراث أو نقل ملكية بعض العقارات باسمه بحجة أنه رجل البيت وأعلم بهذه الأمور، وأنا لا أرغب في ذلك؛ فهل للزوج أي حق أو ولاية شرعية في "مال الزوجة الخاص وإرثها من أهلها"؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد
فأهلا وسهلا ومرحبا بك أختي الكريمة، الأصل في الشريعة الإسلامية أن للمرأة
ذمة مالية مستقلة كاملة، سواء كانت بنتًا أو زوجة أو أمًا أو أرملة. فإذا ورثت
مالًا من أهلها، أو اكتسبته بعملها، أو وهب لها، فإنه يكون ملكًا خالصًا لها،
تتصرف فيه بإرادتها واختيارها ضمن أحكام الشرع، ولا يملك الزوج ولايةً على مالها
بمجرد عقد الزواج، ولا يجوز له أن يجبرها على توكيله أو نقل ملكية شيء من أموالها
إليه.
وعليه؛ فإن إرث الزوجة من والدها حق ثابت لها شرعًا، وليس للزوج أن يتسلط
عليه أو يضغط عليها للتنازل عنه أو تمكينه من إدارته إلا برضاها التام الخالي من
الإكراه والضغط.
اختصارا:
نصيحتي الشخصية إليك أختنا الكريمة، لا تفعلي، فالزوج الذي يقبل على نفسه أن
يطلب ذلك صراحة من زوجته، في الغالب ليس مأمونا على مالها، وربما يغدر بها، وإلا
فما الداعي ليطلب نقل الأموال إليه، ورجل البيت كما يقول ينفق ويتحكم في كسبه وليس
في مال زوجته، والأصل أنها إذا عرضت عليه أن يتعفف، وألا يقبل خاصة إذا كان ميسورا،
واعلمي أنه:
· لا يملك الزوج شرعًا أي ولاية على مال زوجته
الخاص أو إرثها.
· لا يجوز له إلزامها بتوكيله لإدارة أموالها.
· لا يجوز له مطالبتها بنقل ملكية عقاراتها أو
أموالها إليه.
· يجوز لها أن توكله أو توكل غيره إذا كانت
راضية مختارة، وفي زماننا الأفضل والأسلم لها ألا تفعل.
· إذا كان قبولها ناشئًا عن ضغط أو تهديد أو
إكراه معتبر، فلا يكون ذلك الرضا معتبرًا شرعًا.
· يبقى مال الزوجة مستقلًا عن مال الزوج، ولكل
منهما ذمة مالية منفصلة.
وتفصيلا:
لا يثبت للزوج في الفقه الإسلامي حق أو ولاية على مال زوجته الخاص أو إرثها
من أهلها، ولا يجوز له إلزامها بتوكيله أو نقل ملكية شيء من أموالها إليه. فإن
رغبت الزوجة في توكيله أو تمكينه من إدارة بعض أموالها، فذلك جائز بشرط أن يكون
برضاها الحر الكامل، وأن يبقى التوكيل أو أي تصرف مالي قائمًا على مصلحتها، ولها
حق عزله عن الوكالة متى كانت الوكالة قابلة للعزل وفق أحكامها الشرعية، ما لم
يتعلق بها حق للغير أو يشترط فيها ما يمنع ذلك. أما الضغط أو الإكراه لحملها على
التنازل عن حقوقها المالية، فلا يغيّر الحكم الشرعي ولا يجعل هذا التصرف مشروعًا، ودليل
ذلك:
أولًا: من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ
نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]. قال الإمام الطبري: "لكل واحد
منهما ما اكتسب من خير أو مال."
وقال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ
هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء: 4]. استدل العلماء بهذه الآية على أن مال المرأة لا
يحل لأحد إلا برضاها الكامل، قال الإمام القرطبي: "دلّت الآية على أن المرأة
مالكة لأمر نفسها ومالها."
ثانيًا: مذاهب الفقهاء
من الأحناف قال الإمام الكاساني: "المرأة العاقلة البالغة لها ولاية
التصرف في مالها بالبيع والشراء والهبة والصدقة وسائر التصرفات." وقال ابن
عابدين: "الزوج لا يملك من مال زوجته شيئًا إلا بإذنها."
وعبر عن مذهب المالكية الإمام ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن
الحرة الرشيدة جائز أمرها في مالها."، وقال الدردير: "ولها أن تتصرف في
مالها كله إذا كانت رشيدة."
وقال الإمام النووي: "المرأة إذا كانت بالغة رشيدة جاز تصرفها في جميع
مالها."، وقال الشيرازي: "وليس للزوج منعها من التصرف في مالها."
وأورد الإمام ابن قدامة "وللمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله، ولا
نعلم في هذا خلافًا."
وقال المرداوي: "وليس للزوج الاعتراض على تصرفها في مالها."
أقوال العلماء المعاصرين
قال الشيخ عبد العزيز بن باز "ليس للزوج أن يأخذ من مال زوجته شيئًا
إلا عن طيب نفس منها."
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "المرأة مستقلة في مالها استقلالًا
تامًا، وليس لزوجها أن يمنعها من التصرف فيه."
القواعد الفقهية الحاكمة:
الأصل تسلط الإنسان على ماله.
فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. وهو مستفاد من الحديث الصحيح الذي
رواه الإمام أحمد وغيره، وصححه جمع من أهل العلم.
الرضا شرط لصحة التبرعات.
التصرف المبني على الإكراه غير معتبر شرعًا إذا تحقق الإكراه المعتبر في
الفقه.
الولاية الخاصة لا تثبت إلا بدليل.
فلا تثبت للزوج ولاية على مال زوجته لمجرد الزوجية.
الخراج بالضمان.
فمن يملك المال هو صاحب حق التصرف فيه وتبعة قراراته.
اليقين لا يزول بالشك.
فملكية الزوجة الثابتة للإرث لا تزول بدعوى أن الزوج "أدرى بإدارة
الأموال".
والله تعالى أعلى وأعلم