هل انتهي الرق عالميًّا أم تخفّى في شكل جديد؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 370
  • رقم الاستشارة : 3495
03/12/2025

بمناسبة اليوم العالمي لإلغاء الرق الذي يوافق الثاني من ديسمبر.. فهل انتهت أشكال الرق في العالم أم أن الرق غيّر ثيابه فقط، لكن لا تزال حقيقته باقية في العالم المعاصر؟

الإجابة 03/12/2025

أخي الكريم، لعب الرق دورًا مهمًّا في حياة البشرية، ومع تقدمها أخذ الرق بشكله القديم المتمثل في الأسواق التي يُباع فيها البشر يختفي حتى صدر القرار الأممي بإلغاء الرق في الثاني من ديسمبر عام 1949م.

 

لكن البشرية شهدت أنواعًا من الرق لا تختلف في بشاعتها ولا إنسانيتها عن الرق القديم، مثل الاتجار بالبشر، وتجارة الأعضاء، والسخرة والعمل الإجباري، أو ما أُطلق عليه "العبوديـة الحديثة".

 

الرق الحديث

 

الرق الحديث مصطلح شائع في الاستخدام الإعلامي يصف ممارسات متنوعة للاستغلال الذي تتعرض له جماعات من البشر تحت الاكراه والخداع وإساءة استخدام السلطة واستخدام المال، ومنها: السخرة والعمل الإجباري، والزواج القسري، والاتجار بالبشر خاصة الرقيق الأبيض حيث يجري استغلال النساء في الدعارة.

 

تشير تقارير لمنظمة الأمم المتحدة إلى أن هناك أكثر من (50) مليون إنسان وقعوا في براثن الرق الحديث، منهم (28) في مجال العمل الإجباري، و(22) مليونًا في الزواج القسري، وتؤكد الأمم المتحدة أن الرق يكاد يكون موجودًا في كل بلدان العالم متخطيًا العرق والثقافة والدين.

 

لكن المفاجأة الأكبر فيما يتعلق بالرق الحديث أنه من أكثر المجالات تحقيقًا للدخل عالميًّا؛ فعلى سبيل المثال تقدر الأرباح السنوية من مجال واحد في العمل القسري بأكثر من (236) مليار دولار، وهذا يمثل الأجور المنهوبة من العمال، لكن هناك مجالات أبشع في الاستغلال البشر في مجال العمل مثل السخرة في المناجم أو مزارع الكاكو وبعض المحاصيل النقدية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

 

من مجالات الرق الحديث استغلال الأطفال في العمل الإجباري، التقارير الدولية تشير إلى أن طفلاً من بين ستة أطفال يتعرضون للاستغلال في العمل الإجباري، والأبشع هو استغلال تلك البراءة جنسيًّا، حيث تم استعباد هؤلاء الأطفال لتقديم الخدمات الجنسية (الطفل في تعريف اتفاقية حقوق الطفل التي أصدرتها الأمم المتحدة من هو تحت سن 18 سنة)، ونتيجة لتلك العبودية الجنسية للأطفال يعانون نفسيًّا وجسديًّا وتنتقل إليهم الأمراض الفتاكة، التقارير العالمية تشير إلى أن سياحة جنس الأطفال يُستغل فيها أكثر من مليوني طفل، ويتركز نسبة كبيرة منهم في عدد من بلدان آسيا وأفريقيا.

 

اليوربول أو "المكتب الأوروبي للشرطة" الذي ينسق عمل أجهزة الشرطة في الاتحاد الأوروبي لمكافحة الجريمة المنظمة، أفصح عن إحصائية في سبتمبر 2025م أنه رصد أكثر من (111) مقطع فيديو وصورة فيها استغلال جنسي للأطفال.

 

أما استغلال النساء في الدعارة أو العبودية الجنسية أو ما يسمى بتجارة الرقيق الأبيض، فهو كارثة مخيفة، الأمم المتحدة في تقرير لها أكدت أن (79%) من حالات الاتجار في البشر، يتم استغلال النساء في الدعارة، والأكثر دهشة في التقرير أن أكثر من (30%) من الدول (155) التي قدمت معلومات عن تجارة الرقيق الأبيض، هي الأعلى في نسبة المتاجرين بالاستغلال الجنسي للنساء.

 

الاتجار بالأشخاص يتكون من ثلاثة عناصر أساسية، هي:

 

* الفعل: ويشمل تجنيد الأشخاص أو نقلهم أو تحويلهم أو إيواءهم أو استقبالهم.

 

* الوسيلة: ويشمل التهديد بالقوة أو استخدامها أو الإكراه أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استخدام السلطة أو استغلال موقف الضعف أو إعطاء مدفوعات أو فوائد لشخص يسيطر على شخص آخر.

 

* الغرض: ويشمل استغلال دعارة الآخرين على الأقل أو الاستغلال الجنسي أو العمل القسري أو العبودية أو الممارسات المماثلة وإزالة الأعضاء.

 

وحسب تقرير صادر عن الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر عام 2024م "يُقدَّر عدد الأشخاص المُستغَلّين حول العالم في العمل والخدمات والجنس التجاري بنحو 27 مليون شخص. ويُجبَرون، من خلال القوة والاحتيال والإكراه، على العمل في الحقول والمصانع والمطاعم والمنازل. ويستغلّ المُتجِرون بعضًا من أكثر الأفراد تهميشًا وضعفًا في العالم، مُستغلّين بذلك محنتهم".

 

والحقيقة أن العناصر الثلاث شائعة الاستخدام في عالمنا المعاصر، ويقع في فخ تلك العبوية ملايين البشر، وهو ما يعني أن العبودية أو الرق الحديث أكثر بشاعة؛ نظرا لأنه قائم على الاستغلال بكافة أشكاله وبخاصة الاستغلال الجنسي، أو نهب جهد الآخرين، بخلاف العبودية القديمة التي كان الرق فيها يشبه طاقة العمل في العالم القديم، رغم وجود ممارسات لا إنسانية وغير أخلاقية قديمًا.

 

الفلسفة والعبودية

 

يرفض الفكر الفلسفي الحديث وفلسفته الأخلاقية تلك العبودية الحديثة، استنادًا إلى فكرة المساواة والكرامة الإنسانية باعتبارها من الحقوق الطبيعية للإنسان، كما ينتقد الممارسات الغربية السابقة التي استندت إلى رؤى أيديولوجية وعرقية بررت فكرة العبودية إبان الفترة الاستعمارية.

 

وتنتقد الفلسفة الأخلاقية الحديثة كذلك الفكر القديم الذي كان يبرر العبودية؛ فمثلا كان الفيلسوف اليوناني "أرسطو" يرى أن هناك أناسًا ولدوا ليكونوا عبيدًا، وأن هؤلاء يفتقدون القدرة الذاتية على التفكير والتأمل، وأن العبد ينتفع بعقل سيده أما السيد فينتفع بعمل عبده، ولعل تلك الفكرة كان لها تأثيرها في الاستعمار الغربي الحديث في نظرية "عبء الرجل الأبيض" والنظريات العرقية التي قسمت الأجناس البشرية، وبررت أن تُستعبد شعوب ملونة وسوداء من قبل الإنسان الغربي.

 

روابط ذات صلة:

العنصرية من أين تستمد أفكارها؟

هل الأخلاق نسبية؟ وتأثير ذلك على المجتمع؟

التخلي عن الأمومة أم الحياة؟

ظاهرة العناية بالكلاب والقطط.. أزمة إنسانية أم رحمة زائدة؟

الرابط المختصر :