الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
349 - رقم الاستشارة : 2656
10/09/2025
هل هناك علاقة بين أسلوب الأداء ودرجة الصوت وبين الإقناع بالأفكار وقبول ورفض الفكرة أم أن الأفكار تكمن قوتها في الإقناع في ذاتها؟
أخي الكريم، أحييكم على هذا السؤال، فصحة الفكرة وقوتها وصلاحيتها ليست كفيلة وحدها بأن تقتنع الناس، والدليل على ذلك أن توحيد الخالق –سبحانه وتعالى- هي أصح فكرة في الوجود، ورغم صحتها فإن كثيرين غير مقتنعين بوحدانية الله، ويجعلون مع الله شركاء.
هذا المثال قد يكون مهمًّا في إثبات أن صحة الفكرة وصلاحيتها ونفعها قد لا تكون كافية للاقتناع بها، ولكنْ هناك أمور أخرى قد تساهم في الإقناع بالفكرة أو إيجاد ميل وقبول لها، ومن ذلك طريقة عرض الفكرة، ونبرة الصوت وأسلوب الأداء.
وهنا أتذكر مقولة عظيمة للشيخ محمد الغزالي -رحمه الله تعالى- يقول فيها: "الإسلام قضية عادلة، ولكنها وقعت في أيدي محامين فاشلين"، فعدالة القضية لا تكفي وحدها للفوز بالبراءة أو الحصول على الحق، ولكنها تحتاج إلى محام قدير يمتلك ناصية القانون ويجيد أساليب الحجاج والخطاب والمرافعات.
نبرة الصوت وسيلة إقناع
يلخص الفيلسوف "نيتشه" العلاقة بين نبرة الصوت والإقناع بقوله: "كثيرًا ما نرفض فكرةً لمجرد أن نبرة الصوت التي عُبِّرَت بها لا تُثير اهتمامنا"، ففي الكثير من الأحيان يكون قبول الفكرة أو رفضها مرتبطًا بنبرات الصوت وطريقة الأداء، حيث إن الصوت يبعث بالكثير من الرسائل مع الكلمات، وكلاهما يتعاون للإقناع بالفكرة أو رفضها.
تشير الدراسات إلى أن نبرات الصوت ذات علاقة بالإقناع من خلال خلق حالة من التركيز على القضية، وخفض التوتر، واستقرار المشاعر، فالصوت المستقر والمركز غير المتوتر والذي يستخدم العاطفة بحساب، يكون ذا كفاءة في الإقناع.
الدراسات تؤكد أن تعبيرات الصوت يمكن أن تبعث برسالة إلى المستمع عن الحالة النفسية للمتكلم ومدى ما يشعر به من فرح أو حزن أو غضب أوثبات انفعالي، فنبرة الصوت تتخطى حاجز الألفاظ اللغوية والقاموسية، إلى استكشاف بواطن الأمور، ولذلك –مثلا- نجد أن القرآن الكريم عندما تحدث عن المنافقين قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ فطريقة أداء الكلمات قد تكشف عن نوايا النفس وخبايا الضمير.
اهتمت الأبحاث في علم النفس وعلم الاتصال بالعلاقة بين الفكرة ونبرة الصوت؛ لأن نبرات الصوت تنقل الكثير من مشاعر المتحدث، ويوفر الصوت على حد تعبيرهم "ثروة من المعلومات" عن المتحدث كعمره ونوعه وطبيعة تعليمه وصدقه ودرجة تأثره بما يتكلم عنه واقتناعه به وعاطفته تجاه الموضوع الذي يتحدث فيه، وتضافر كل المعلومات السابقة يساهم في الإقناع بالفكرة أو رفضها.
ولهذا نجد أن نبرة الصوت للشخص الذي يُجري مقابلة للالتحاق بعمل ما، ذات سمات تختلف عن نبرته إذا كان يتحدث مع صديق مقرب، ففي الحالة الأولى يميل إلى رفع صوته، وإظهار الوضوح في كلماته، وتقليل عدد الكلمات، وتقتر من كلماته مشاعر التبجيل والاحترام، ويغلف كل ذلك بنبرة توحي للمستمتع أنه واثق من نفسه، وأنه ذو قدرة على الإنجاز وعلى استعداد لتحمل المسؤولية.
النظام المزدوج
الدراسات تشير إلى أن نبرة الصوت المنخفضة الممزوجة بالثقة قد تُعطي إحساسًا بأن الأفكار إيجابية، ومن ثم فإن كيفية تعبير الناس عن أفكارهم صوتيًّا ذات تأثير في الإقناع، ولذلك كانت النصائح بأن على الفرد أن يبعث الثقة إلى الآخرين في أفكاره من خلال نبرات صوته، لأن ذلك يساهم في الإقناع والتأثير، ففي بعض الأحيان عندما يخفض المتحدث صوته نسبيًّا بحيث يكون واضحًا ومفهومًا، ويخفض عدد كلماته، ويشحنها بالقدر المعقول والمناسب من العاطفة، والتناغم بين ارتفاع الصوت وانخفاضه فإن ذلك يقوي من قدر الحجة على الإقناع.
وقد تحدث العلماء عن نظام أسموه "النظام المزدوج للإقناع" ELM أو نظريات المعالجة المزدوجة، وهي نماذج نفسية تصف عملية الإقناع من خلال وجود مسارين أو نظامين مختلفين لتلقي الرسائل، هما النظام الواعي (الصريح) والمقصود، والنظام اللاواعي (الضمني) والتلقائي. يركز النظام الواعي على المعالجة المنطقية، بينما يرتكز النظام اللاواعي على العوامل العاطفية والحدسية.
في المسار الأول ويسمى "المسار المركزي" نركز فيه على مزايا الحجج، ومنطقها وجودتها، ونوازن بعناية بين إيجابياتها وسلبياتها، وهذا يتطلب تفكيرًا عميقًا وفهمًا للحجج .
أما المسار الثاني وهو مسار هامشي في الاقناع، وهو يركز على شكل الشيء في عملية الإقناع، وهو مرتبط بإشارات لا علاقة لها ببناء الحجج، ومن ذلك جاذبية المتحدث، وثقته بنفسه، ونبرات صوته، وهذا يُحدث تغيرات في المواقف تجاه الأفكار، لكن قد لا تكون لها القدرة على البقاء والاستمرار إذا ما قورنت بما يحدث المسار الأول.
وفي السنة النبوية، كان النبي ﷺ كما تشير أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- كان "كلامُ النبي ﷺ كلامًا فَصلًا يفهمُهُ كلُّ من سمعَهُ"، وكما جاء في سيرته ﷺ كان أفْصحَ الخَلقِ وأعذَبَهم كلامًا، وأسرَعهم أداءً، وأحلاهم مَنطقًا، حتى كان كلامُه يأخذُ بالقلوبِ ويَسبي الأرواحَ، وكان مِن هَدْيِه التأنِّي والهدوءُ في الحديثِ مع تَوضيحِ كلامِه للنَّاسِ؛ حتى يَفهموا ولا يَفوتَهم شيءٌ من قولِه".