الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
508 - رقم الاستشارة : 4284
04/03/2026
في ظل الحرب الدائرة الآن في منطقتنا العربية، والصراع بين أمريكا ودولة الاحتلال من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، وما يجره ذلك من استهداف بلادنا في الخليج العربي، أجدني أتساءل عن الحكمة الإلهية من وقوع هذه الصراعات والنزاعات، وما تجره من ابتلاءات ودمار.
وما هو موقف المسلم إزاءها إيمانيًّا وعقديًّا، وخصوصًا أن طرفي هذا الصراع كلاهما معتدٍ وظالم.
مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، وأحيي فيك وعيك وحرصك
على فهم مجريات الأمور من منظور شرعي وإيماني. أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن
يقر عينك بنصر الإسلام وعز المسلمين، وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين في الخليج
وفي كل مكان من كيد الكائدين وعبث المفسدين، وأن يرزقنا الثبات واليقين في زمن
الفتن، وبعد...
فإن المشهد الذي تصفه، وما نراه اليوم من صراعات محتدمة وتحالفات
متداخلة، قد يورث في النفس نوعًا من الحيرة والاضطراب. ولكن المسلم الذي ينظر بنور
الله يدرك أن هذا الكون لا يتحرك عبثًا، وأن خلف الستار يدًا إلهية تدير شؤون
الخلق بحكمة بالغة، حتى وإن غابت تفاصيل تلك الحكمة عن عقولنا القاصرة في حينها.
الحكمة الإلهية من وقوع الصراعات
إن الله -سبحانه وتعالى- لا يقضي قضاءً إلا وفيه حكمة، ومن أعظم
حِكَمه –عز وجل- في الصراعات:
1- التمحيص والتمييز:
إن مثل هذه الصراعات الدائرة هو الغربال الذي يفرز الصفوف؛ ففي
الرخاء يدّعي الجميع الصدق، ولكن عند الشدائد تظهر حقائق النفوس. يقول الله تعالى:
﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ
يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179].
2- إظهار عجز القوى البشرية:
حين تتصارع القوى العظمى التي تظن أنها تملك مقاليد الأرض، يرى
المؤمن بعينه كيف أن هذه القوى، رغم جبروتها، تبقى تحت قهر المشيئة الإلهية،
فتتحطم أحلام المتكبرين بعضها ببعض.
3- استخراج عبادات كامنة:
الابتلاء يستخرج من المؤمن عبادات لا تظهر في زمن الهدوء؛ مثل
الصبر، والتوكل، والتضرع في جوف الليل، وحسن الظن بالله رغم قتامة المشهد، واليقين
بأن العاقبة للمتقين.
4- ضرب الظالمين بالظالمين:
وهذه من أعظم سنن الله في الكون، حين تتصادم إرادات الظلمة ليضعف
بعضهم بعضًا، ويشغلهم الله ببعضهم عن إيذاء عباده الصالحين، وفي هذا حفظ لبيضة
المسلمين.
موقف المسلم من هذه الصراعات
في ظل صراع تصفه بأن كلا طرفيه «معتدٍ وظالم»، يبرز تساؤل: أين
نقف؟ والإجابة تتلخص في النقاط التالية:
1- الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين:
يجب أن يظل قلبك معلقًا بالحق المحض. فلا يجوز لمسلم أن يميل بقلبه
أو ولائه لطرف ظالم لمجرد كرهه للطرف الآخر. القاعدة العقدية هي:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].
أما الظالمون فنكلهم إلى الله ونعوذ به من شرورهم.
2- لزوم الجماعة والالتفاف حول القيادة الشرعية:
في بلاد الخليج، الأمان نعمة عظمى، والواجب الإيماني يقتضي الحفاظ
على استقرار هذه البلاد وحمايتها من أن تكون ساحة لتصفية الحسابات. فالحفاظ على
أمن الوطن هو جزء من حفظ الدين. ومن أوثق أسباب ذلك لزوم الجماعة الوطنية،
والالتفاف حول القيادة الشرعية، والالتزام بتوجيهاتها.
3- اعتزال الفتن:
كلا الطرفين (المشروع الصهيوني- الأمريكي، والمشروع الإيراني
التوسعي) لهما أجندات لا تخدم الإسلام الحق في جوهره. لذا، فإن موقف المسلم هو عدم
الانخراط في الدعاية لأي منهما.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتن
القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من
الساعي» [رواه البخاري ومسلم]. هذا الحديث يوجهنا للاعتزال النفسي والفكري عن
صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل سوى الضرر.
4- الدعاء سلاح المؤمن:
كان من دعاء بعض السلف: «اللهم أشغل الظالمين بالظالمين وأخرجنا من
بينهم سالمين». وهذا هو الموقف الأسلم؛ أن نسأل الله أن يكسر شوكة كل معتدٍ أثيم،
وأن يحمي حياض المسلمين.
5- الاعتبار بالسيرة النبوية:
تأمل -يا أخي- في غزوة الأحزاب، حين اجتمعت
قوى الشرك من كل جانب (اليهود والمشركون)، وبلغ الخوف بالناس مبلغه، وصفت الآية
المشهد بدقة: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ
زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10].
هنا انقسم الناس: المنافقون قالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]، أما المؤمنون فقالوا: ﴿هَٰذَا مَا
وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ
إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].
فالحكمة كانت تمحيص القلوب قبل أن يرسل الله الريح والجنود لينصر
عباده المؤمنين ويخزي الكافرين والمشركين والمنافقين.
وختامًا أخي الكريم، إن ما تراه من دمار هو ألم لا ننكره؛ لكننا
نحسبه –بإذن الله- مخاضًا لواقع جديد يكتبه الله بعلمه وتقديره.
وظيفتك الآن هي تقوية إيمانك، والقيام بواجبك تجاه أهلك ووطنك،
وعدم السماح لليأس بأن يتسلل إلى قلبك، فالله هو الغالب على أمره ولكن أكثر الناس
لا يعلمون.
أسأل الله العظيم أن يحفظ بلاد الخليج العربي وسائر بلاد المسلمين
من شرور الأشرار وكيد الفجار. اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة
أمورنا، واجعل تدبير من أراد بنا سوءًا تدميرًا عليه. اللهم أشغل الظالمين
بالظالمين، واجعلنا في حرزك وأمانك وضمانك يا رب العالمين.
روابط ذات صلة:
أخاف كثيرًا على عائلتي من الحرب.. ماذا أفعل؟
في زمن الحرب.. كيف ننتقل من الخوف المربك إلى اليقين المثمر؟