كيف يوفق إمام التهجد بين أعذار المصلين ورغبته في الإطالة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : فئات المدعوين
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 212
  • رقم الاستشارة : 4337
11/03/2026

أنا إمام لمسجد أهلي، أصلي فيه بالناس التراويح ثماني ركعات ثم أوتر بثلاث، وقد اعتاد الناس على ألا تزيد مدة الصلاة عن ساعة بالدرس في منتصفها، فلا نكاد نتم 4 صفحات من المصحف قراءة!

ومع بداية العشر الأواخر طلبوا مني أن أصلي بهم صلاة التهجد بعد منتصف الليل، ويريدونها قصيرة مثل التراويح، وحاولت إقناعهم بأن نطيل في التهجد لننال الثواب لكنهم رفضوا، وبعضهم قال إنه لن يأتي للتهجد لو أطلت! ويتعللون بأن معظمهم من كبار السن، رغم أني أخبرتهم بجواز القعود في صلاة النافلة لمن أراد.

ماذا أفعل معهم؟

أشعر أني بذلك أؤدي مهمة آلية لا روح فيها، وكأننا نعد ركعات فقط دون إعطاء القرآن حقه في التلاوة والتدبر!

الإجابة 11/03/2026

مرحبًا بك فضيلة الإمام، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يجعلنا عند حسن ظنك بنا، وأن يبارك في عمرك، ويشرح صدرك، ويزيدك علمًا وفهمًا، وأن يتقبل منك ومن مأموميك الصيام والقيام، وأن يجعلك إمامًا للمتقين، ومفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وأن يرزقك الإخلاص في القول والعمل، وبعد...

 

بين حلاوة المناجاة ورعاية المأمومين

 

أخي الكريم، أقدر لك طبعًا رغبتك في إطالة الوقوف في المحراب بين يدي ملك الملوك، والاستمتاع بمناجاته سبحانه، وتلاوة كتابه؛ لكنك في الوقت ذاته تحمل أمانة الإمامة، وهي مقام يقتضي منك أن تكون قائدًا حكيمًا، يراعي القوي والضعيف، ويجمع القلوب ولا ينفرها.

 

إن ما تعانيه من صراع بين الكمال المنشود والواقع المعهود، السر في حله يكمن في قاعدة الرفق التي هي مدار الشريعة.

 

وصية النبي ﷺ للأئمة

 

يجب أن نعلم يقينًا أن صلاة التراويح والتهجد هي من السنن والنوافل، والمقصود الأعظم منها هو ربط قلوب الناس بالمسجد وبالقرآن، ولو بشيء يسير. وقد وضع النبي ﷺ قاعدة ذهبية ووصية لكل إمام حتى لا يشق على الناس. فعن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي ﷺ غضب في وعظ قط أشد مما غضب يومئذ، ثم قال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ مِنكُم مُنَفِّرِينَ، فمَن أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فإنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ والكَبِيرَ وذَا الحَاجَةِ». [متفق عليه]. و«فليتجوز» أي: فليخفف.

 

إن شعورك بأن الصلاة «آلية» قد يكون نابعًا من حبك للإطالة، ولكن تذكر أن إعطاء القرآن حقه ليس بالكم فقط؛ بل بالكيف أيضًا. فإتمام أربع صفحات بتدبر وخشوع وصوت ندي، خير من ختم جزء كامل والناس خلفك يتأففون أو يتأملون. وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].

 

معالجة فقدان الشعور بالصلاة

 

الشعور بأن الصلاة أصبحت مجرد عدٍّ للركعات ينبهك لزيادة التركيز نوعيًّا لا كميًّا. إذا كان الوقت المتاح لك ساعة واحدة، فبإمكانك إحياؤها بالآتي:

 

1- حسن الترتيل: اقرأ الصفحات القليلة بتؤدة وطمأنينة، وأعطِ كل حرف حقه. قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4].

 

2- اختيار المقاطع المؤثرة: إن القراءة المتسلسلة (بترتيب المصحف) ليست شرطًا  ما دمت لا تُنَكِّس، فاختر آيات تتحدث عن الجنة والنار، أو قصص الأنبياء، أو مكارم الأخلاق، مما يلمس قلوب المصلين خلفك.

 

3- إطالة الركوع والسجود: قد لا يطيق كبار السن الوقوف الطويل؛ لكنهم غالبًا ما يجدون راحة في السجود. فأطل في تسبيحك ودعائك في السجود باعتدال، فهناك تسكن الأرواح وتُبث الشكوى.

 

نصائح عامة في «التهجد»

 

إن العشر الأواخر من رمضان، لا شك في أنها مضمار السباق، ومن الطبيعي أن يطمع الإمام في الزيادة. ولكن بما أن المأمومين اشترطوا القِصَر، فنصيحتي لك هي التدرج معهم والتلطف.

 

قل لهم: «سأصلي بكم كما تحبون، ولكن دعونا نزيد في كل ليلة خمس دقائق فقط لنستشعر بركة العشر»، فالتدرج يقبله العقل والبدن.

 

ولقد أحسنت أخي الفاضل بإخبارهم بجواز القعود، ولكن كبار السن غالبًا ما يشعرون بالحرج من القعود والناس قيام. فحاول أن توفر مقاعد مريحة في المسجد، وبث فيهم روح «إن الله يحب أن تؤتى رُخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» [رواه أحمد].

 

وعلى أية حال، فإن من فقه الموازنات وفقه المقاصد أن مجيء الناس للمسجد وصلاتهم ركعات خفيفة في جوف الليل، خير ألف مرة من أن ينفروا ويقضوا ليلهم أمام الشاشات أو نائمين. فانوِ تأليف قلوبهم للعبادة لتنال أجرك ومثل أجورهم.

 

يُروى أن إمامًا كان يطيل بالناس، فشكوه إلى شيخه، فقال له الشيخ: «يا بني، إنك بفعلك هذا تريد أن تحمل الناس على حالك أنت مع الله، وهذا لا يكون. إنما الإمام كالراعي، يمشي بمشية أضعف غنمه».

 

وتذكر قصة معاذ بن جبل -رضي الله عنه- حين أطال بالناس في صلاة العشاء ففارقه رجل من الأنصار وصلى وحده، فلما علم النبي ﷺ قال لمعاذ: «أفتَّان أنت يا معاذ؟» [متفق عليه]. فالنبي ﷺ سمَّى التطويل الذي ينفِّر الناس «فتنة»، وهذا وصف شديد يجعلنا نعيد النظر في مقاييسنا للعبادة الجماعية.

 

نصيحة خاصة لك:

 

اجعل لنفسك وقتًا خاصًّا تصلي فيه وحدك أو مع أهلك، دون قيود الوقت ورغبات الناس، إما قبل مجيئك للمسجد وإما بعد عودتك، أطل فيه كما تشاء، وناجِ ربك حتى يرتوي قلبك.

 

وختامًا أخي الكريم، فإن رفقك بالمؤمنين ورحمتك بكبار السن هي عبادة في حد ذاتها؛ بل قد تسبق عند الله طول القيام. فكن رحيمًا بالخلق يرحمك الخالق، واعلم أنك مأجور على نيتك في الإطالة، ومأجور على فعلك في التخفيف.

 

أسأل الله أن يتقبل منك قيامك، ويطهر قلبك من العجب والرياء، وأن يرزقك لذة الخشوع في القليل والكثير، وأن يجعل مسجدك منارة للهدى وملاذًا للقانتين. اللهم أعنه على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجمع قلوب مأموميه على طاعتك، واختم لنا ولهم شهر رمضان برضوانك والعتق من نيرانك.

 

روابط ذات صلة:

إمام التراويح..رسالة ومسؤولية بين الروحانية وحسن الأداء

هل تجزئ صلاةالتراويح بقصار السور؟

الرابط المختصر :