كيف نحول طاقة الشهوات إلى قوة روحية دافعة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الفتور والضعف
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 250
  • رقم الاستشارة : 4361
15/03/2026

السلام عليكم.

قرأت قولًا يقول: "حين تشتهي المعصية ولا ييسر الله لك الطريق إليها، فاعلم أنك عزيز على الله، وأنه يحفظك مما يضرك". فكيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع رغباته وأهوائه ويحولها إلى قوة روحية؟

وهل هناك طرق عملية لفهم هذا الحفظ الإلهي والشعور بالامتنان، عندما يمنعنا الله عن المعاصي؟

الإجابة 15/03/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وينير بصيرتك، ويجعلك من عباده المصطفين الأخيار الذين حفظهم بحفظه، وأحاطهم بلطفه، وأن يصرف عنك السوء والفحشاء، وبعد...

 

عزة المؤمن عند الله

 

إن العبارة التي قرأتَها هي عبارة تفيض بالحب الإلهي واليقين؛ فهي تنقل المؤمن من ضيق الحرمان إلى سعة الاصطفاء. إن الله -عز وجل- حين يحُول بينك وبين معصية اشتهيتها، فهو لا يمنعك لمجرد المنع، بل هو يتولاك ويرعاك، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]. فمَن كان الله وليه، تولى حمايته حتى من نفسه التي بين جنبيه.

 

كيف نحوِّل الرغبات والأهواء إلى قوة روحية؟

 

إن النفس البشرية خُلقت وفيها ميل للشهوات، وهذا ليس عيبًا في أصل الخلقة؛ بل هو «مُحرِّك» إن أحسنَّا توجيهه. وإليك بعض الوسائل للقيام بذلك:

 

1- إدراك فلسفة الابتلاء بالشهوة:

 

اعلم أن مجاهدة الرغبة هي عبادة بحد ذاتها؛ بل هي من أعلى المقامات. يقول النبي ﷺ: «المُجاهدُ من جاهدَ نفسَه في طاعةِ اللهِ» [رواه الترمذي]. فحين تشتهي المعصية ثم تتركها، فأنت لا تفقد شيئًا، بل تكتسب قوة روحية تزيد مع كل تكرار.

 

2- إعادة توجيه الرغبة:

 

يقول ابن القيم رحمه الله: «في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به». فحين تشعر برغبة في معصية ما، حاول أن توجه هذه الرغبة نحو عمل صالح (صدقة، صلاة، مساعدة محتاج...). ستجد أن الطاقة التي كانت ستُهدر في الذنب قد تحولت إلى سكينة وطمأنينة.

 

3- تحويل «التَّرْك» إلى «حُب»:

 

لا تترك المعصية لأنك «محروم»؛ بل اتركها لأنك «مُحب»، فالمُحب لمن يحب مطيع. اجعل من رغبتك المكبوتة قربانًا تقدمه لله، وقل في نفسك: «يا رب، هذه لذة أتركها لأجلك، فأذقني حلاوة الإيمان في قلبي». وقد ورد في الأثر: «من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه».

 

فهم الحفظ الإلهي

 

أحيانًا يخطط الإنسان للمعصية، ويهيئ الأسباب، وفجأة يجد الأبواب إليها قد أُغلقت. إن هذا لطف خفي منه سبحانه بهذا الإنسان؛ إذ عصمه من الوقوع في هذه المعصية إكرامًا له، وحفظًا له من التعرض لعذاب الله في الآخرة.

 

وتأمل في قصة يوسف -عليه السلام- حين هُيئت له أسباب المعصية (امرأة ذات منصب وجمال، وأبواب مغلقة، وغياب الرقيب البشري)، لكن الحفظ الإلهي كان معه. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]. لاحظ قوله: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ﴾ ولم يقل: «ليصرف هو نفسه»، مما يدل على أن الله هو الذي تولى حمايته وحفظه وعصمته.

 

كيف نشعر بالامتنان عند المنع من المعصية

 

لكي ينتقل قلبك من الضيق بالمنع إلى الشكر عليه، اتبع هذه الخطوات:

 

1- تذكَّر سوء العاقبة:

 

اسأل نفسك: «لو فُتح لي هذا الباب وفعلت المعصية، كيف سيكون حالي بعدها؟». لا شيء غير مرارة الندم، وضيق الصدر، وحجب الدعاء، وهوان النفس على الله! حين تدرك أن الله حماك من كل هذا السواد، ستقول بعمق: «الحمد لله الذي عافاني».

 

2- رؤية المنع عطاءً:

 

يقول ابن عطاء الله السكندري في حكمه: «ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع، صار المنع عين العطاء». إن منعك من المعصية هو عين العطاء؛ لأنه أبقى لك دينك وكرامتك عند خالقك.

 

3- استشعار القرب والخصوصية:

 

حين تشعر بأن الله يراقبك ويمنعك من معصيته ويغلق أبوابها أمامك، فاعلم أنك تحت عنايته ورعايته وولايته. إن الله يترك العبد الذي لا يبالي به يغرق في ضلاله، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 44]. أما أنت، فيضيِّق عليك ليردك إليه؛ وهذا هو عين الحب.

 

4- تمرين الشكر الفوري:

 

كلما تعسَّر عليك طريق لذة محرمة، اسجد سجدة شكر، وقل: «الحمد لله الذي عصمني، الحمد لله الذي لم يخذلني ويتركني لنفسي».

 

وختامًا أخي الكريم، إن من أعظم نعم الله على العبد أن يجعله عزيزًا عليه، فلا يتركه يتساقط في وحل الذنوب كلما مالت نفسه. فافرح برعاية الله لك، واجعل من حبه حصنًا يحميك من هوى نفسك.

 

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. واجعل ما منعتنا منه من حظوظ الدنيا والشهوات زيادة لنا في قربك وأُنسًا بجنابك. اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

كيف أفهم المحبة الإلهية وأجعلها منطلقًا لدعوتي؟

هل تغير مفهوم الشكر مع المادية؟

الرابط المختصر :