الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الفتور والضعف
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
313 - رقم الاستشارة : 3608
18/12/2025
أنا امرأة في أواخر الثلاثينات، متزوجة من كم سنة، وعندي عيال. الحمد لله عايشة في بيت مستقر، وزوجي إنسان طيب ومتعاون وما يقصّر معي بشي، وما بينا مشاكل أسرية تُذكر. أقوم بواجبات بيتي وأربي عيالي على قد استطاعتي، وما أهمل مسؤولياتي الظاهرة.
لكن من فترة طويلة وأنا أحس بفراغ داخلي قوي وحزن خفي، وما أعرف له سبب واضح، كأني فقدت طعم الحياة. صرت ما أحس بلذة العبادة مثل أول؛ أصلي كأني بس أؤدي حركات بدون خشوع ولا حضور قلب، وأقرأ القرآن بدون تأثر، وما عاد عندي شغف للطاعة ولا للأعمال الصالحة.
هالشعور أثر حتى على حياتي اليومية؛ فقدت الرغبة في الهوايات اللي كنت أحبها، وصرت أنام كثير بدون سبب صحي، وأميل للصمت، وأحب العزلة. تواصلي مع صديقاتي وقريباتي قلّ، وما أبادر بالاتصال أو السؤال إلا نادر، وحتى إذا هم تواصلوا معي ما أتفاعل مثل قبل.
الوضع هذا متعبني، ودائم أسأل نفسي: ليه أحس كذا وأنا عندي نعم كثيرة؟ وكيف أقدر أطلع من هالحالة؟
جزاكم الله خير، ونفع بكم.
مرحبًا بك أختنا الكريمة، وأشكر لك ثقتك بنا، ومراسلتك لنا، وأسأل الله أن يملأ قلبك نورًا وسكينة، وأن يبدل ضيقك فرجًا، ووحشتك أنسًا، وأن يردَّ إليك شغف الحياة ولذة الطاعة ردًّا جميلًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد...
تشخيص ما تمرين به:
فإن ما تمرين به -أختي الفاضلة- هو حالة مركبة تمزج بين ما يُسمى شرعيًّا بـ«الفتور»، وما يُعرف نفسيًّا ببوادر «الاكتئاب الصامت» أو «فقدان الشغف»، وهي حالة تمر بها نساء كثيرات في مرحلة أواخر الثلاثينيات، وهي مرحلة انتقالية تتسم بالنضج، ولكن قد يصاحبها شعور برتابة الحياة بعد استقرار الزواج وكبَر الأولاد قليلًا.
إن شعورك بالذنب لأنك تملكين نعمًا كثيرة ومع ذلك تحزنين، هو شعور نبيل يدل على حيائك من الله، لكن اعلمي أن وجود النعم لا يمنع هجوم الحزن أو الفتور، فقد حزن الأنبياء وضاق صدر الصالحين، ولم يكن ذلك جحودًا للنعم؛ بل طبيعة بشرية.
حقيقة تذبذب الإيمان:
إن الإيمان –لا شك- يزيد وينقص، والقلب يتقلب. وقد شكا بعض الصحابة الكرام من شعور مشابه لما تشعرين به، فظنوا أنه نفاق! فعن حنظلة الأسيدي قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ، يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا. فلما ذهبوا لرسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» [رواه مسلم].
فالشعور بأنك لستِ على وتيرة واحدة أمر طبيعي، المهم ألا يجرنا هذا الفتور إلى ترك الفرائض.
العبادة بلا خشوع خير من تركها كليةً:
لا تستسلمي للشيطان الذي يهمس لك: «صلاتك غير مقبولة لأنك لا تخشعين». استمري في صلاتك حتى لو غاب القلب مؤقتًا؛ لأن «المجاهدة» في ظل الفتور لها أجر عظيم. يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. فاستمرارك رغم الثقل هو جهاد تؤجرين عليه.
جددي إيمانك بالدعاء والذكر:
القلب يصدأ كما يصدأ الحديد، ويخلَق (يبلى) كما يخلَق الثوب. قال ﷺ: «إن الإيمان ليخلَق في جوف أحدكم كما يخلَق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم» [رواه الحاكم]. فاحرصي على تجديد إيمانك وجلاء قلبك دائمًا، بذكر الله وقراءة القرآن والدعاء بأن يشرح الله لك صدرك لعبادته.
لماذا تشعرين بالفراغ؟
وصفتِ حالتك بـ«نوم كثير، ميل للصمت، فقدان الرغبة في الهوايات». هذه أعراض تقليدية لما يسمى فقدان التلذذ بالحياة، وأسبابها غالبًا ما تكون:
- الرتابة والروتين القاتل: الاستقرار نعمة عظيمة، لكنه أحيانًا يولِّد شعورًا بأن «الأيام تشبه بعضها»، مما يقتل الشغف.
- إهمال الذات لصالح الآخرين: لعلَّك انغمستِ في دور «الأم» و«الزوجة»، ونسيتِ «الإنسانة» التي بداخلك، فصرتِ تمنحين وتمنحين حتى جفَّ النبع الداخلي.
- حيلة نفسية دفاعية: هروبك للنوم والصمت هو محاولة من عقلك الباطن لإيقاف «الضجيج الداخلي» أو الشعور باللاجدوى.
خطوات عملية للخروج من النفق:
1- الفحص الطبي:
قبل أي شيء، يجب عليك زيارة طبيبة لإجراء فحص شامل (تحليل الغدة الدرقية، فيتامين D، مخزون الحديد، فيتامين B12). لماذا؟ لأن في أواخر الثلاثينيات لدى النساء يحدث غالبًا اضطراب في الهرمونات أو نقص في الفيتامينات يؤدي مباشرة إلى: الخمول، وكثرة النوم، والحزن غير المبرر. قد تكون مشكلتك عضوية بحتة وحلها في قرص فيتامين!
2- قليل دائم خير من كثير منقطع:
احرصي على الحد الأدنى من العبادة، بأداء الفرائض في أوقاتها، وورد قرآني بسيط، وما تستطيعينه من أذكار الصباح والمساء والأحوال، والدعاء، مع الزيادة التدريجية كلما وجدت انشراحًا في صدرك للعمل.
3- كسر الروتين:
غيِّري مكان صلاتك في بيتك، وبدِّلي ترتيب الأثاث إن تيسَّر ذلك. جرِّبي ممارسة هواية يدوية بسيطة، فالأعمال اليدوية تساعد على تفريغ الطاقة السلبية وتنشيط الذهن. ومن المفيد أيضًا أن تسعي إلى تعلُّم علم نافع، بالالتحاق بدورات علمية أو ثقافية، أو المشاركة في عمل تطوعي تقدِّمين من خلاله نفعًا للآخرين، حتى وإن كان عن بُعد، مما يعزّز شعورك بقيمتك وأثرك. يقول ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم» [صحيح الجامع].
4- تجديد علاقتك بأسرتك:
لقد ذكرتِ -ولله الحمد- أن زوجك رجل طيب ومتعاون، وهذه نعمة عظيمة يجب استثمارها؛ فالزواج ليس مجرد مشاركة في السكن والمصروف، بل هو شراكة في الشعور والأرواح. يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. فاكسري جدار الصمت، ولا تخفي مشاعركِ خلف قناع «القوة» أو «القيام بالواجب».
اجلسي مع زوجكِ جلسة هادئة، وأخبريه بصدق ولين: «أنا أمر بفترة فتور وضيق لا أعرف سببه، وأحتاج لقربك ودعمك المعنوي لأتجاوزها». طلب المساعدة من الشريك ليس ضعفًا؛ بل هو تعميق للرابطة الزوجية، وغالبًا ما سيبادر الرجل «الطيب» -كما وصفتِه- ليكون لكِ عونًا وسندًا.
أبناؤك أيضًا، حاولي تغيير تعاملك معهم من منطلق «المسؤولية والرعاية» إلى منطلق «المتعة والصحبة». شاركيهم ألعابهم الصغيرة، استمعي لقصصهم العفوية، اضحكي معهم من قلبك؛ ففي براءة الأطفال وطاقتهم حياة تسري في عروق الكبار. وقد كان النبي ﷺ يمازح الأطفال ويلاعبهُم، وفي ذلك علاج للقلب وجبر للخاطر. اجعليهم طوق نجاة يخرجك من عزلتك إلى ضجيج الحياة المحبب.
5- ترشيد التواصل الاجتماعي:
قد يكون الانعزال التام حلًّا مريحًا مؤقتًا؛ لكنه ضار على المدى البعيد، والانخراط الكامل مرهق جدًّا، لذا فالحل يكمن في «الانتفاء والترشيد».
فليس المطلوب منك الآن التواصل مع الجميع؛ بل انتقي من صديقاتك أو قريباتك مَن تتسمُ بالحكمة، والروح الإيجابية، والقلب اللين. ابحثي عمن إذا جلستِ معها زاد إيمانك أو انشرح صدرك، وتجنبي في هذه الفترة مجالس «القيل والقال» أو كثيرات الشكوى؛ فهن يستنزفن طاقتكِ النفسية المحدودة.
وتذكري وصية النبي ﷺ في اختيار الجليس، حيث قال: «إِنِّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وجَلِيسِ السُّوءِ، كَحامِلِ المِسْكِ ونافِخِ الكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أنْ يَحْذِيَكَ وإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، ونافِخُ الكِيرِ إِمَّا أنْ يَحْرِقَ ثَيابَكَ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبيثَةً» [متفق عليه]. وأنت الآن بحاجة لمن تجدين منه «ريحًا طيبة» تُنعش روحك.
كذلك لا تقطعي صلة الرحم؛ لكن أدِّيها بما لا يرهق نفسيتكِ (رسالة طيبة، مكالمة قصيرة)، فالله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
وختامًا أختي الفاضلة، فإن ما تمرين به هو سحابة صيف ستنقشع بإذن الله، فلا تجعليها تحجب عنك رؤية شمس رحمة الله ولطفه. أسأل الله لك انشراحًا في الصدر، ونورًا في الوجه، وسعة في الرزق، وعافية في البدن، وأن يذهب عنك الهم والحزن، والعجز والكسل، وأن يبدل وحشتك أنسًا، وضيقك فرجًا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
روابط ذات صلة:
هل التقلب بين الطاعات والفتور دليل على ضعف الإيمان؟
فقدت لذة العبادة وأشعر بالفتور.. كيف أعود؟