الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
582 - رقم الاستشارة : 3343
22/01/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا صانع محتوى دعوي رقمي. ألاحظ أن "الترندات" (المواضيع الرائجة) و"الهاشتاج" المنتشرة هي مفتاح لاجتياز الخوارزميات وتحقيق وصول هائل للمحتوى.
التحدي هو: كيف يمكن لي أن أُوظِّف هذه الترندات (التي غالباً ما تكون ترفيهية أو سطحية) في خدمة الرسالة الدعوية الجادة دون أن أفقد وقار الخطاب الشرعي؟ وما هي الضوابط التي تمنع الداعية من الوقوع في فخ "الركض وراء الشهرة" عن طريق استغلال الترندات؟ وهل يجوز مثلاً الربط بين أغنية أو تحدٍ رائج وبين قيمة إسلامية (كأن أربط بين أغنية تتحدث عن السعادة وبين السعادة الحقيقية في طاعة الله)؟ أرجو تحديد الضوابط الشرعية والمنهجية لهذا الاستثمار الرقمي. جزاكم الله خيراً.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بك أيها الداعية المُبدع، وشكر الله لك حرصك على استثمار كل نافذة تفتح لك بابًا للوصول إلى الجمهور. إن استغلال الترند بذكاء هو حكمة دعوية معاصرة، لكنه سيف ذو حدين. إنكم تسألون عن "فقه ترويض الترند لخدمة القضايا الكبرى" وأسأل الله أن يرزقك سداد الرأي وبعد النظر في توظيف هذه الأدوات.
والبحث عن ضوابط استثمار الترند والهاشتاغات الرائجة في الدعوة، هو من الأهمية بمكان، والقاعدة الأساسية هي: الترند أداة للوصول، لا هدف للمحتوى. استخدم الترند لـ "كسر الجمود" دون أن تكسر "وقار الخطاب".
الضوابط الشرعية والأخلاقية (الخطوط الحمراء)
هناك خطوط لا يجوز للداعية تجاوزها مطلقًا، مهما كان حجم الترند.
1) تحريم المحتوى المخالف للشرع: لا يجوز المشاركة في أي ترند يقوم على محرم (كالاختلاط غير المنضبط، أو الغناء الفاحش، أو التعري، أو الكذب الصريح، أو السخرية من الشعائر)، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾، فالدخول في الإثم ولو كان بقصد الدعوة، هو محرم.
2) الحفاظ على الوقار الدعوي: لا يجوز أن يفعل الداعية في سبيل الوصول شيئًا يقلل من هيبته أو وقاره كداعية، كالتصنع، أو الرقص، أو تقليد حركات لا تليق بصفة الداعية والمربي.
3) الربط بين الأغاني المحرمة والقيم (محذور): تجنب الربط المباشر بين أغنية أو موسيقى محرمة وبين قيمة إسلامية؛ لأن هذا يخدم الأغنية ويجعلها في ذهن المتلقي مرتبطة بالدين، ويشوش على حكم تحريمها. يمكنك استخدام نفس "موضوع" الأغنية (كالسعادة، الخيانة، المال) دون ذكر الأغنية أو اقتباسها.
المنهجية في التوظيف الذكي (الترويض)
استغلوا هذه الأدوات بذكاء لتوجيه الجمهور إلى الفائدة.
1) تقنية "الربط الآني"، والآلية: عندما يظهر ترند معين، حلل "المنشأ القيمي" للترند (لماذا جذب الناس؟ هل هو بسبب الوحدة، أو القلق، أو البحث عن الشهرة؟)، ثم قدّم الحل الإسلامي لهذه الحاجة، ومثال ذلك: إذا راج ترند عن "الخوف من المستقبل"، وظِّف الهاشتاغ، وقدم محتوى عن التوكل على الله وحسن الظن به، وعرض الآيات والأحاديث المتعلقة باليقين.
2) استغلال الأشكال لا المضمون: استغلوا الشكل الفني أو قالب العرض الذي يتبعه الترند (كاستخدام مؤثر بصري معين، أو طريقة سرد معينة) دون استغلال المضمون السلبي.
3) تقنية "النقض الإيجابي": يمكن استغلال الترند السلبي لنقضه بذكاء وإيجابية. (مثال: إذا كان هناك ترند يدعو إلى فكرة هدامة، وظِّف الهاشتاج لتقديم الرأي الإسلامي الصحيح والمحكم الذي ينقض الفكرة، مع الالتزام بالوقار).
إدارة النية وتجنب فخ الشهرة
1) الحد الزمني: لا تجعل كامل محتواك مرتبطًا بالترندات. خصص 10% إلى 20% فقط من محتواك لتغطية الترند، والباقي يكون محتوى أصيلاً وعميقًا.
2) الهدف هو النفع لا الانتشار: تذكَّر أن الانتشار هو وسيلة للنفع، وليس غاية في ذاته. كن مستعدًا لترك ترند واسع الانتشار إذا كان محظورًا شرعًا، فهذا هو ثبات الداعية.
وختامًا:
أيها الداعية البصير، كن كالطبيب الذي يدخل أماكن المرضى بوقار لعلاجهم. لا تنجرف وراء ضغط الخوارزميات. كن أنت "الترند" الحقيقي بصناعة المحتوى الذي يفرض نفسه بقوته وجديته، لا بسطحيته. الإخلاص هو خوارزمية السماء التي لا تُخطئ.
أسأل الله أن يرزقك الذكاء في التوظيف والحكمة في البيان، وأن يجنبك فتن الشهرة الزائفة، وأن يجعل محتواك خالصاً لوجهه الكريم ومقبولاً في الأرض والسماء، وأن يحفظ وقارك.
روابط ذات صلة:
كيف تصنع جيلاً لا يسقط أسير «الترند»؟