الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
575 - رقم الاستشارة : 2307
08/08/2025
"هويتنا في زمن العولمة الرقمية: كيف نُحصّن الجيل وننقل القيم بلغة يفهمها؟" سعادة المستشار / المفكر الاجتماعي الفاضل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في ظل التحولات العالمية المتسارعة، والانفتاح الرقمي الهائل، تواجه مجتمعاتنا الإسلامية تحديًا وجوديًّا يتمثل في حماية هوية الأجيال الناشئة دون أن نعزلهم عن واقعهم. لقد أصبح من المستحيل اليوم منع أبنائنا من الانخراط في عالم التكنولوجيا، حيث تتقاطع الثقافات، وتذوب الخصوصيات، وتصل الأفكار والمشاعر إلى الطفل في لحظات، عبر شاشة هاتف صغيرة. وفي المقابل، نلحظ تراجعًا في تعلق الجيل بقضايا أمته، وسير رموزها، ومفاهيم الانتماء الحضاري والديني، في مقابل انبهار شديد بكل ما هو عصري وجديد.
ومن هنا، نطرح على سعادتكم هذا التساؤل العميق: كيف نوازن بين الحفاظ على الهوية الإسلامية، وبين مواكبة الحداثة والانفتاح؟ كيف نُعيد غرس الانتماء في نفوس الأبناء بلغة معاصرة، قريبة من قلوبهم، دون أن يشعروا بالغربة أو الانفصال عن واقعهم؟ وهل يمكن أن نعتمد على الأساليب التربوية القديمة وحدها؟ أم أننا بحاجة لتفعيل أدوات العصر، وإعادة إنتاج الخطاب الإسلامي التربوي بأسلوب يناسب الوسائط الحديثة؟ كيف نحول أدوات التكنولوجيا من أدوات تهديد إلى جسور عبور نُصدّر من خلالها قيمنا وهويتنا للعالم؟
🔸 نحن لا نبحث عن عزل، ولا عن ذوبان. بل عن صيغة متوازنة، تؤسس لجيل يعي هويته، ويعيش عصره، ويؤثر فيه دون أن يفقد نفسه.
🟩 لو توافرت خارطة قيم واضحة، وتصوّر متكامل يعيد ترتيب الأولويات، لأمكننا أن ننتقل من موقع الدفاع إلى موقع التأثير، فنقدم للعالم رسالتنا، التي لم تكن يومًا محصورة بالمسلمين، بل موجهة إلى الإنسانية كلها، رحمة وعدالة وتعايش.
📍 نرجو منكم تسليط الضوء على هذا الموضوع، ومشاركة رؤيتكم الفكرية والتربوية التي نثق بعمقها وحكمتها.
في البداية أشكركم على هذا السؤال، الذي يكشف عن قلق حقيقي على هويتنا العربية والإسلامية في ظل الانفتاح الرقمي والمعلوماتي، والذي يُشكِّل تحديًا يحتاج إلى جهد كبير من مفكرينا ومثقفينا لإبداع وسائل وأفكار لا تقود إلى انعزال الشباب المسلم عن منجزات العصر الرقمي.
الرقمية أصبحت واقعًا لا يمكن الفرار منه، وهو ما يفرض المواجهة لا الهروب مع تحدياته، خاصة أنها تحديات تؤكدها التقارير العالمية التي تُعنى بالمستقبليات، ونشير هنا إلى تقرير بعنوان "الاتجاهات العالمية حتى العام 2040م" صادر عن الأجهزة الاستخبارية الأمريكية أكد أن "الرقمية ستكون مصدر الهويات القلقة"، وهو ما يعني أننا أمام تحد كبير يستوجب الإعداد له جيدًا لتفادي مضاعفاته.
وتشير دراسة أخرى صدرت في مايو 2023م إلى أن المراهقين يقضون ما يقرب من سبع ساعات يوميًّا مع الرقمية، سواء بمتابعة مواقع التواصل الاجتماعي، أو التفاعل مع محيطهم في تلك البيئة الرقمية، أو في متابعات خاصة بدراستهم، ومعنى هذا أن جزءًا من الحياة الأساسية والإنسانية لتلك الأجيال الشابة تتشكل في العالم الافتراضي، الذي أصبح للكثير منهم هو البيئة الأساسية للتفاعل مقارنة مع تفاعلهم في محيطهم الاجتماعي في الواقع.
ويلاحظ في العالم الرقمي أن الثقافة الشفهية أو ثقافة الصورة، والتي تُبَث فيها الفيديوهات والبودكاست والصور، هي المتغلبة على الثقافة المكتوبة؛ فالصورة باتت هي المتحكم الأهم في العالم الرقمي، وفي صياغة الهوية، فنجد مثلاً حسب إحصاءات 2023م، فإنه يتم بث (720) ألف ساعة من مقاطع الفيديو يوميًّا على الإنترنت، ويُنشر حوالي (95) مليون صورة ومقطع فيديو يوميًّا على الإنترنت، وهو ما يعني أن الصورة والفيديو من العوامل الجديدة في تشكيل الهوية في العالم الرقمي.
وفي ذلك العالم الرقمي، الذي يلتهم تلك الساعات الطويلة من الشباب تتشكل فيه هويتهم من خلال التواصل والتفاعل واستعراض الذات؛ ففي ذلك العالم تتفاعل هوية الشباب مع الهويات الأخرى في البيئة الافتراضية التي لا تقيدها الحدود الجغرافية ولا السياسية، وهنا يختبر الشباب المقولات والأفكار التي تُشكل هويته، ويكون أمام خيارات صعبة:
* إما أن يعرض هويته بلا خجل ولا إحساس بالنقص ويسعى لتجسيدها في تفاعله فيما ينشره أو يتابعه.
* وإما أن يعاني من أزمة هوياتية، فيضطر إلى الانسلاخ من هويته، والانغماس في مقولات وهويات الآخرين، أو يلجأ إلى ارتداء أقنعة يستر بها هويته أثناء تفاعله مع الآخرين في العالم الافتراضي.
ومع تفاعل الهويات في العالم الافتراضي تظهر الفرص والأزمات، فقد يكون هذا التفاعل فرصة لإثبات الذات والتعبير عن الهوية والوصول لأكبر قدر من المستخدمين، وإما أن يكون التفاعل بداية لأزمات في الواقع عندما يتخلى الفرد عن بعض من هويته ويكتسب من العالم الافتراضي صفات وسلوكيات لا تتوافق مع محيطه الاجتماعي، وعندئذ تبدأ الأزمات التربوية والنفسية؛ فالهوية المستجلبة من العالم الافتراضي تصطدم مع القيم والسلوكيات التي أرستها الهوية الأساسية، وهنا تبدأ مشاعر الانعزال، ويصبح العالم الافتراضي هو الملجأ والملاذ لهؤلاء الشباب في ظل تلك الأزمة، وهو ما يعني أن الأزمة تتعمق والمسافات تتباعد.
والحقيقة أن الهوية هي التي تُعرِّف الإنسان بنفسه، وتضع ذاته في مكانه الصحيح، وهي التي تدله على عالم القيم الذي ينتمي إليه؛ فالإنسان يحمي نفسه ويعرفها من خلال الهوية، ومن ثم فالهوية تعد مفهومًا دفاعيًّا، كما أنها رؤية للكون والذات، وهي تنشأ كما يُقال "من ضجيج حياتنا"، فهي ليست فطرية ولكنها مكتسبة تُشكل الإنسان منذ لحظة مولده مرورًا بمراحل حياته المختلفة؛ لذا فمن أهم أبعادها الاستمرارية، ذلك البعد الذي يجعل الناس المنتمين إلى هوية واحدة متشابهين إلى حد كبير في الماضي والحاضر والمستقبل.
ولا شك أن الرقمية أحدثت تغيرات في هوية الإنسان ذاته، فغيرت ساعات نومه وثقافة طعامه وملابسه وتسوقه وطبيعة صداقاته واهتماماته وعلاقاته داخل الأسرة والمجتمع، وحتى أداءه لشعائره الدينية وطريقة تعبيره عن معتقداته، وكل ذلك ما هو إلا تجل للهوية، وهو ما يخلق تحديات تربوية كبيرة تستوجب الإبداع في التعامل بإيجابية لا انعزال، وتفاعل لا انكفاء على الذات.