الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الحياة الزوجية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
530 - رقم الاستشارة : 3436
29/11/2025
كيفية التعامل مع رفض الزوجة للعلاقة الحميمة، خلافات النهار وعقاب الليل.
السلام عليكم، بمجرد حدوث مشاجرة تستخدم الكثير من الزوجات سلاح الحرمان من العلاقة الحميمة كنوع من العقاب، ونحن نتفهم أن طبيعة المرأة تختلف فهي لا تستطيع الفصل بين مشاعرها وقلبها وبين العلاقة الخاصة، على عكس الرجل الذي قد يكون مستعدًا لتجاوز الخلاف فورًا وتلبية احتياجه الفطري.
المشكلة تكمن في الآثار السلبية لهذا التصرف، فالرجل يترجمه كرفض شخصي له؛ ما يراكم الجفاء، فما هو التصرف الأمثل في هذه الحالة؟
رجاءً أريد حلولا واقعية بعيدًا عن نصائح الزواج الثاني أو الطلاق فليس الجميع قادرًا عليها والحفاظ على استقرار البيت والأطفال هو الأولوية، فما هي مقترحاتكم؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.
الحقيقة أن هذه تساؤلات بالغة الأهمية وذات أثر خطير في استقرار الحياة الزوجية.. هذه الحياة التي لا تخلو من مشادات وخلافات بين الحين والآخر بل تصور حياة تخلو منها هو تصور وهمي وغير واقعي.. في الوقت ذاته فإن العلاقة الخاصة بين الزوجين تمثل احتياجًا أساسيًّا لكل من الزوجين وهو احتياج يقع في قاعدة الاحتياجات الإنسانية بعد الحاجة للطعام والشراب وبها يتحقق العفاف الذي هو الغاية الأولى من الزواج، وعدم إشباع هذه الحاجة بسبب وجود مشكلات زوجية عالقة يضاعف المشكلة ولا يساهم في الحل، وتكرار الحرمان يسبب حالة من الجفاء والنفور.
لذلك حث الإسلام الزوجة على الاستجابة لزوجها وفي الحديث المتفق عليه (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح)، ولو أن هذه الاستشارة جاءتني من زوجة أو من سيدة لكنت استكملت حديثي في هذا الاتجاه الذي يبين لها خطورة الأمر من الناحية الشرعية ومن الناحية النفسية وكنت سأحاول مساعدتها في التدريب على طرق تفصل مشاعرها الغاضبة عن هذا الاحتياج الزوجي الأساسي، لكن بما أن الزوج هو من يسأل فإنني سأتجه في كلامي لشرح دوره في الأزمة ومحاولة تأسيس بناء معرفي جديد يساعده في الفهم والحل.
سلاح الحرمان
أخي الكريم، عنونت رسالتك بـ"عقاب الليل" وتحدثت عن استخدام كثير من الزوجات لـ "سلاح الحرمان"، والحقيقة أن هناك بعض الزوجات يتعاملن بالفعل وفقا لآلية خلاف – عقاب التي ذكرتها فهي تشعر أن زوجها أذاها وتريد هي الأخرى أن تؤذيه.. ترى أن زوجها آلمها فهي أيضا تريد أن تؤلمه.. ترى أن زوجها منعها أو حرمها فتريد أن تعاقبه.
لكن الأغلبية الساحقة من النساء التي ترفض العلاقة أثناء الخلاف والشجار لا يستخدمن هذا الرفض كعقاب وإنما يرفضن لأنهن يتألمن.. لأنها يسيطر عليها مشاعر الحزن أو الغضب.. جسدها يشعر بالنفور لأن قلبها حزين، فحتى هؤلاء النساء اللاتي يقبلن بالعلاقة الزوجية رغم الخلاف والأغلبية الساحقة منهن تفعل ذلك استجابة لأمر الله ورسوله يبقى جسدها نافرًا رغم الاستجابة الظاهرية...
هي لا تتعمد البرود هي تكون متلبسة بحالة حقيقية من البرود؛ لأن هناك رابط استجابة عنيف بين جسدها وبين مشاعرها، أما عقلها فيكون في حالة من التيه تتخبطه الأفكار، بدءًا من الاستجابة الدينية، مرورًا بمحاولة فك الارتباط بين الجسد والمشاعر، انتهاء بأفكار سوداوية عن الرجل الذي لا يمتلك قلبًا ولا شعورًا ولا يهمه مشاعرها فقط لا يهتم إلا بجسدها وما يتبع ذلك من أفكار تفاقم حالة الرفض أو التبلد.
حلول عملية
أبسط حل عملي يمتلكه الرجل بالفعل ويستطيع استخدامه بسهولة هو احتواء المرأة أولاً قبل أن يحاول أن يقيم معها علاقة، فلو أنهما عقدا اتفاقًا ألا يناما وبينهما خلاف، وبالفعل مثّلت فترة المساء تصفية لخلافات اليوم، مع تعلم المهارات اللازمة لإدارة الخلاف، وأهمها منع النقد والشكوى وحديث كل طرف عما أزعجه أو عما يحتاجه فقط دون أن يشير بسبابة الاتهام للآخر لتم تصفيه الخلافات أولاً بأول دون مضاعفات ودون تعقيدات إضافية ودون سوء ظن بحيث يخلدان للنوم في حالة وفاق وسكينة نفسية.
وتكون تصفية الخلافات هذه هي قاعدة أساسية في إدارة الحياة الزوجية، سواء طلب الرجل علاقة خاصة أو لم يطلب، فلا يتبقى هاجس عند المرأة أنه يصفي الخلاف ويحتويها فقط عندما يريد هذه العلاقة.. بينما التصفية اليومية للخلافات بوجه عام تحقق نسبة نجاح تقترب من الـ100%.
بالطبع لا أقصد أن يعتذر الرجل كل ليلة، سواء كان مخطئًا أو كانت زوجته المخطئة فهذا من السخف اللامعقول، وإنما أقصد أن يتحدث الزوجان معًا بطريقة غير اتهامية لتصفية الخلاف الذي قد ينتهي باعتذار أحدهما أو حتى فهم الموقف بطريقة صحيحة دون حاجة لأي اعتذارات.
إذا أخطأ الرجل في حق زوجته خطأ كبيرًا يتجاوز الخلافات اليومية العادية فمن الغباء المطلق أن يطلب علاقة زوجية، سواء اعتبر هذه العلاقة وسيلة للترضية أو اعتبرها حقه الذي يجب عليه أن يتعاطاه، فعن النبي ﷺ أنه قال (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم)، وفي رواية (ولعله أن يضاجعها)، وفي رواية أخرى (ثم لعله يعانقها).
ويعلق ابن حجر على هذا الحديث بقوله الواضح (والمجامعة أو المضاجعة إنما تستحسن مع ميل النفس والرغبة في العشرة، والمجلود غالبًا ينفر ممن جلده، فوقعت الإشارة إلى ذم ذلك)، وقد يجلد الرجل زوجته بكلماته ويؤذيها إيذاء عنيفًا لا يقل عن أذى الضرب المبرح فيصير معها نفور فطري منه فكيف يقترب منها؟ كيف يعانقها؟ دون ترضية مكثفة بل دون منحها الوقت الكافي مع هذه الترضية المكثفة.
طبيعة المرأة
أخي الكريم، دعني أشرح لك جملة خطيرة ذكرتها عرضًا في رسالتك حيث قلت (ونحن نتفهم أن طبيعة المرأة تختلف فهي لا تستطيع الفصل بين مشاعرها وقلبها وبين العلاقة الخاصة)، وأنا أريد أن أشرح لك مشاعر المرأة الغاضبة كيف تبدو حتى تقدر هذه المسألة تمامًا.. فعليك أن تعرف عن جسدها وكيف يتجاوب.. وماذا تفعل الهرمونات في هذا الجسد.
المرأة الغاضبة يفرز جسدها هرمونات التوتر، هذه الهرمونات تجعلها صادقة تمامًا وهي تقول: (غير قادرة أن أفصل واستجيب)، ففي وقت الغضب والشجار قد يرتفع الأدرينالين والنور أدرينالين بطريقة حادة ويسببان تقلص الأوعية الدموية في الحوض، وهذا بدوره يسبب جفافًا مهبليًّا مع صعوبة شديدة في الاستثارة، وهو نفس الأمر الذي يسببه الارتفاع الجنوني للكورتيزول والذي يمنع المرأة تمامًا من الشعور بالرغبة.
أما هرمون الحب المسمى الأوكسيتوسين فينخفض انخفاضًا حادًّا، فحتى مع المداعبات الطويلة لا تستجيب المرأة، ليس عنادًا بل هي تشعر بالجفاف والألم.. الدوبامين ينخفض فتكون منطفئة والسيروتونين ينخفض هو الآخر فيزيد التفكير القلق وتشعر بمسار هو نفسه مسار الاكتئاب...
إذن هي لا تحيك الألاعيب النفسية.. هي لا تتظاهر.. هي لا تبالغ، هي مكتئبة منطفئة متألمة جسدها يعاندها بالفعل، فلربما لو أدرك الرجل عمق ما تعانيه لبادر هو بزمام تصفية الخلافات أولاً بأول ولبادر بغمرها بمساحات شاسعة من القرب والعاطفة، سواء مع العلاقة أو بعيدًا عنها؛ فالحضن الدافئ ولو لـ20 ثانية يحفز هرمون الأوكسيتوسين فيعمل على خفض مباشر لهرموات التوتر ويبدأ شعور المرأة أنها آمنة ويبدأ الدوبامين بالارتفاع، وإذا استمر هذا الاحتضان لمدة دقيقة كاملة فإن السيروتونين يرتفع هو الآخر وتبدأ المرأة بالشعور بالسكينة العميقة والارتياح النفسي بل لربما أخذت هي زمام المبادرة...
لو مارس الزوج هذا الاحتضان الحاني مساء كل ليلة لزال الاحتقان تلقائيًّا ولتمت تصفية أي خلاف دون أي كلمات، وكان النبي ﷺ يقترب هكذا من زوجاته كل ليلة حتى يصل لبيت من تكون ليلتها.. فأهمية هذا الاحتضان الحاني وغير المرتبط بالعلاقة الزوجية في استقرار الحالة الفسية للمرأة سنة نبوية في الأساس وليس أحد تجليات علم نفس الزواجي، ووقتها لن يعاني الزوج مع زوجة تعاقب أو زوجة تغضب.. رزق الله بيوت المسلمين جميعًا السكينة وراحة البال.
روابط ذات صلة:
فقدان شغف وملل.. خطة لإعادة الروح للحياة الإيمانية والزوجية