الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
958 - رقم الاستشارة : 3762
07/01/2026
حكم المسح على الجوارب الشتوية الحديثة في البرد الشديد "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نظراً لموجة البرد الشديدة التي نمر بها، أود الاستفسار عن حكم المسح على الجوارب الشتوية (الشرابات) بدلاً من غسل القدمين في الوضوء.
مع العلم بأن مواصفات الجوارب كالتالي: السماكة: جوارب صوفية سميكة جداً (Heavyweight) ولا تصف لون البشرة من تحتها نهائياً. الطول: تغطي كامل القدم مع الكعبين وتصل إلى منتصف الساق. التثبيت: ثابتة على القدم بنفسها ولا تنزلق عند المشي. نفاذ الماء: هي جوارب قماشية صوفية، أي أنها لو غُمست في الماء لنفذ إلى القدم، ولكنني عند الوضوء أكتفي بالمسح على ظاهرها باليد المبلولة فقط.
أرجو منكم إفادتي بالآتي: هل يجوز المسح على هذا النوع من الجوارب السميكة؟ هل يشترط في الجورب أن يكون مانعاً لنفاذ الماء (مثل الجلد) أم يكفي أن يكون صفيقاً (سميكاً) وساتراً؟ متى تبدأ مدة المسح (24 ساعة) للمقيم؟ هل من وقت اللبس أم بعد اللبس؟ وجزاكم الله خيراً."
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فقد ذكرنا في فتوى سابقة أن المسح على الجوربين محل خلاف بين الفقهاء، بعض الفقهاء منع ذلك حيث لم يستقم معه القياس على الخفين، ورأى أنه قياس مع الفارق، وربما لم يصح عنده الحديث أو لم يصله، وبعضهم أجاز لصحة الحديث الذي أكد مسح النبي ﷺ على الخف ولجواز القياس على الخفين أيضًا.
وشرط أن يكون الجورب سميكًا هذا ما يراه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، ولم يشترط ذلك الحنابلة وبعض الفقهاء، وفي واقعة السؤال ما دام الجورب سميكًا فالمسح عليه جائز عند جمهور الفقهاء ممن أجاز المسح على الخف.
ومدة المسح يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر، وتبدأ المدة بعد أول نقض للوضوء بعد لبسه وليس من أول وقت لبس الجورب.
والمسح على الجوربين من الرخص التي تؤكد على محاسن الشريعة الإسلامية التي جاءت باليسر ورفع الحرج عن الناس، خاصة في أوقات البرد والسفر والحاجة. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).
ويقول تعالى ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].
ويقول النبي ﷺ (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا).
الأدلة الشرعية على جواز المسح
والأصل في جواز المسح على الجوربين هو فعل النبي ﷺ وأصحابه الكرام.
1. عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ".
2. من فعل الصحابة رضي الله عنهم: ثبت المسح على الجوربين عن عدد من الصحابة، منهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. وهذا يدل على أن الأمر كان معروفًا ومُطبقًا بينهم.
قال الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله: "مضت السنة من أصحاب رسول الله ﷺ في المسح على الجوربين".
تفصيل الحكم الفقهي وشروط الجواز
رغم أن أصل الحكم هو الجواز، فإن الفقهاء وضعوا شروطًا مستنبطة من الأدلة الشرعية لضبط هذه الرخصة، لضمان صحة الطهارة والصلاة. وهذه الشروط هي:
1- لُبسهما على طهارة كاملة
والدليل هو قول النبي ﷺ للمغيرة بن شعبة عندما أراد أن يخلع له خفيه: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ" (متفق عليه). والجورب يأخذ حكم الخف في هذا.
2- أن يكون المسح في الحدث الأصغر فقط:
المسح رخصة في الوضوء (الذي يرفع الحدث الأصغر). أما في حالة الحدث الأكبر (مثل الجنابة)، فيجب خلع الجوربين والاغتسال وغسل القدمين وسائر الجسد.
3- الالتزام بالمدة المحددة شرعًا: للمُقيم (غير المسافر): يوم وليلة (24 ساعة)، وللمسافر (سفر قصر): ثلاثة أيام بلياليها (72 ساعة). وتبدأ من أول مسح بعد حدوث ناقض للوضوء، وليس من وقت لبس الجورب.
3- أن يكون الجوربان ساترين لمحل الفرض:
يجب أن يغطيا القدمين مع الكعبين؛ لأن الكعبين داخلان في فرض الغسل في الوضوء.
خلاف الفقهاء حول صفة الجورب
جمهور الفقهاء من (الحنفية والمالكية والشافعية): اشترطوا أن يكون الجورب سميكًا (ثخينًا) يمكن متابعة المشي فيه، ولا يشف لون البشرة، وبعضهم اشترط أن يمنع نفوذ الماء. وبناءً على رأيهم، كثير من جواربنا اليوم لا يجوز المسح عليها.
الحنابلة وجمع من المحققين (كابن تيمية وابن باز وابن عثيمين): ذهبوا إلى جواز المسح على الجورب المعتاد (القطني، الصوفي، إلخ) ما دام ليس شفافًا ولا ممزقًا تمزيقًا كبيرًا؛ لأن النص جاء مطلقًا بكلمة "الجوربين" ولم يقيده النبي ﷺ بوصف معين، والأصل عدم التقييد إلا بدليل. وهذا الرأي هو الأيسر والأقوى دليلاً، وعليه الفتوى والعمل عند الكثيرين اليوم.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: