أي النصابين أولى في تقدير الزكاة الذهب أم الفضة؟

Consultation Image

الإستشارة 24/01/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في ظل ارتفاع أسعار الذهب المتتالية والمتسارعة.. هل يجوز حساب زكاة المال على سعر الفضة وذلك مراعاة لصالح الفقراء؟

الإجابة 24/01/2026

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

ففي المسألة خلاف بين الفقهاء، بعضهم يرى أن العبرة بمصلحة الفقير وفي الغالب تكون مصلحة الفقير بتقدير النصاب بالفضة، وبعضهم يرى التخيير؛ لأن النبي جعل الذهب والفضة نصابًا فالمسلم مخير، وفي ظل ارتفاع الفضة والذهب الآن ارتفاعًا غير مسبوق نرى أن الأرجح هو تقدير النصاب بالفضة مراعاة لمصلحة الفقير، وتزكية وتطهيرًا ونماءً للمال بسبب الزكاة، ومن أخذ بنصاب الذهب فلا شيء عليه.

 

تقدير الزكاة في عهد النبي ﷺ

 

في عهد النبي ﷺ، كانت النقود المتداولة هي الدينار الذهبي والدرهم الفضي. وكانت هذه هي الأصول التي تُقاس عليها الثروة وتُحسب بها الزكاة. أما النقود الورقية التي نتعامل بها اليوم، فهي شيء مستحدث لم يكن موجودًا، ولذلك اجتهد العلماء في كيفية ربطها بالأصول الشرعية الأصلية (الذهب والفضة) لتحديد نصاب الزكاة.

 

رأيان للعلماء المعاصرين

 

وهنا ظهر رأيان أساسيان للعلماء المعاصرين:

 

الرأي الأول: تقويم الأموال بنصاب الذهب، وهو رأي كثير من الهيئات العلمية ودور الإفتاء المعاصرة، مثل هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. وحجتهم في ذلك ما يلي:

 

أولا: الذهب أصل أثبت وأكثر استقرارًا: يرون أن الذهب هو المقياس الأكثر استقرارًا لقيمة النقود عبر العصور، بينما تقلبت قيمة الفضة بشكل كبير جدًّا. فالاعتماد على الذهب يحفظ قيمة النصاب من التذبذب الشديد ويحقق استقرارًا في المعاملات.

 

ثانيًا: قوة الذهب كغطاء نقدي: تاريخيًّا، ارتبطت العملات بالذهب كغطاء يضمن قيمتها، مما يجعله الأصل الأنسب لربط النقود الورقية.

 

ثالثًا: تجنب إيجاب الزكاة في أموال قليلة: لو اعتمدنا نصاب الفضة المنخفض جدًّا، لوجبت الزكاة على مبالغ مالية بسيطة قد لا تكفي صاحبها لحاجاته الأساسية طوال العام، وهذا قد لا يتوافق مع مقاصد الشريعة في أن الزكاة تُؤخذ من الأغنياء.

 

بناءً على هذا الرأي: لا يجوز التحول إلى نصاب الفضة لمجرد أنه أقل، بل يجب الالتزام بنصاب الذهب لأنه المقياس الأثبت والأصلح لتقويم النقود الورقية اليوم.

 

الرأي الثاني: تقويم الأموال بما هو أحظ للفقير (نصاب الفضة حاليًا)، وهو رأي معتبر أيضًا، ويتبناه كثير من الفقهاء والمؤسسات الشرعية، وهو المعتمد في المذهبين الحنفي والمالكي قديمًا في تقويم عروض التجارة.

 

وحجتهم هي:

 

أولاً: مراعاة مصلحة الفقير: هذا هو المقصد الأعظم من الزكاة. بما أن نصاب الفضة أقل بكثير من نصاب الذهب، فإن اعتماده سيؤدي إلى إدخال عدد أكبر من الناس في دائرة المزكّين، مما يزيد من حصيلة الزكاة ويعود بالنفع الأكبر على الفقراء والمساكين.

 

ثانيًا: الأخذ بالأحوط والأبرأ للذمة: عندما يكون لديك خياران، فإن الأحوط لدينك وذمتك أن تأخذ بالخيار الذي تخرج به الزكاة قطعًا، وهو ما يتحقق عند استخدام النصاب الأقل (الفضة).

 

ثالثًا: الأصل التاريخي: في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، كان نصاب الذهب ونصاب الفضة متقاربين في القيمة. والانخفاض الهائل في قيمة الفضة هو أمر طارئ، لكنه لا يُلغي أصالتها كنصاب شرعي.

 

وبناءً على هذا الرأي: يجوز، بل يُستحب، أن يحسب المسلم زكاة أمواله النقدية وعروض تجارته على نصاب الفضة، لأنه الأنفع للفقراء والأبرأ للذمة.

 

تقويم عروض التجارة

 

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: اتفق الفقهاء على وجوب تقويم عروض التجارة لإخراج زكاتها، مع مراعاة توفر شروطها من بلوغ النصاب وحولان الحول.

 

واختلفوا فيما تقوم به عروض التجارة، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن تقويم مال التجارة يكون بالأنفع للفقراء بأن تقوم عروض التجارة بما يبلغ نصابًا من ذهب أو فضة.

 

وسواء أقومت بنقد البلد الغالب -مع كونه الأولى عند الحنابلة لأنه الأنفع للفقير- أم بغيره. وسواء أبلغت قيمة العروض بكل من الذهب والفضة نصابًا، أم بلغت نصابًا بأحدهما دون الآخر.. فيلتزم في كل الحالات تقويم السلعة بالأحظ للفقراء.

 

وذهب المالكية إلى تقويم عروض التجارة بالفضة، سواء ما يباع بالذهب أو ما يباع غالبًا بالفضة، فيقومهما بالفضة؛ لأنها قيم الاستهلاك ولأنها الأصل في الزكاة.

 

فإن كانت العروض تباع بهما، واستويا بالنسبة إلى الزكاة، يخير التاجر بين تقويمهما بالذهب أو بالفضة. وعلى القول بأن الذهب والفضة أصلان، فيعتبر الأفضل للمساكين؛ لأن التقويم لحقهم.

 

واشترط المالكية لتقويم عروض التجارة أن ينض للتاجر شيء ولو درهم، ولا يشترط أن ينض له نصاب. فإن لم ينض له شيء في سنته فلا تقويم ولا زكاة. وليس على التاجر أن يقوم عروض تجارته بالقيمة التي يجدها المضطر في بيع سلعه، وإنما يقوم سلعته بالقيمة التي يجدها الإنسان إذا باع سلعته على غير الاضطرار الكثير.

 

وعند الشافعية يختلف تقويم مال التجارة بحسب اختلاف أحوال رأس المال. أ. هـ باختصار وتصرف.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

حكم استثمار أموال الزكاة وضوابطه

دور الزكاة في تحقيق الكفاية المادية للفرد والمجتمع

المعاني الاقتصادية للزكاة

الرابط المختصر :