الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الحياة الزوجية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
200 - رقم الاستشارة : 4389
17/03/2026
أنا رجل متزوج، وعلمت قبل الزواج أن زوجتي كان لها ماضٍ من علاقات محرّمة قبل زواجنا. لكنها أخبرتني بذلك، وبدت صادقة في توبتها، ومنذ زواجنا لم أرَ منها أي تصرف سيئ. بل على العكس، وقفت إلى جانبي في ظروف صعبة، وكانت زوجة مخلصة وصادقة معي، وقدّمت لي من الوفاء والدعم ما نادرًا ما يجده الرجل في هذا الزمن.
لكن رغم ذلك، ما زلت أحيانًا أتألم من التفكير في ماضيها، ويعود هذا الأمر إلى ذهني بين الحين والآخر، فأشعر بالحيرة والضيق، وأتساءل: لماذا تزوجتها؟ وهل يمكن أن تكون أمًا صالحة لأولادي وتربيهم التربية الصحيحة؟
مؤخرًا فتحت معها الموضوع مرة أخرى، فانهارت بالبكاء، وقالت لي إنها تابت من كل ما مضى، وتسألني: هل ليس من حقها أن تتوب وتبدأ حياة جديدة؟ وهل يجب أن تعيش بقية عمرها مرفوضة بسبب أخطاء ماضية؟
أنا الآن في صراع داخلي: من جهة أرى توبتها الصادقة وسلوكها الحسن بعد الزواج. ومن جهة أخرى لا أستطيع أحيانًا تجاوز أثر الماضي في نفسي. فما التوجيه الشرعي في مثل هذه الحالة؟ وهل إذا فكرت في الطلاق أكون ظالمًا لها رغم توبتها واستقامتها؟ أم أن الواجب عليّ شرعًا أن أحاول تجاوز الماضي وأعطيها فرصة حقيقية لحياة مستقرة بعد التوبة؟
أرجو بيان الحكم الشرعي والتوجيه التربوي الذي يساعدني على اتخاذ القرار الصحيح بما يرضي الله ويحفظ العدل بين الزوجين.
أخي الكريم، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية..
أنا متفهمة لما تشعر به على المستوى النفسي، ربما أنت على المستوى العقلي متفهم تمامًا لصدق توبتها ولكنك على المستوى النفسي تعاني في بعض الأحيان حتى يصل بك الأمر للتفكير في قيمة هذا الزواج وجدواه وإمكانية إنهائه، وفي الوقت ذاته يتصارع داخلك شعور ثان يرفض هذه الأفكار ويراها ظالمة أو قاسية، وهذه المشاعر المتضاربة ترهقك، فدعنا نحلل الأمر على المستوى الشرعي وعلى المستوى النفسي حتى نستطيع الوصول لقرار ثم نبحث عن آليات عملية لتنفيذه.
المرأة التائبة
أنا أعلم أنك تعلم الحكم الشرعي للتوبة، ولكن أحيانًا تكون المعلومة فقط باردة لا تصل للقلب والوجدان بل لعلها توضع على هامش العقل والوعي؛ لذلك نحن نريد أن نعيدها لقلب المشكلة، ولكن قبل أن نتكلم عن التوبة دعنا نتحدث عن الذنب لماذا نذنب؟ ولماذا الخطأ؟
لماذا أخطات زوجتك في الماضي؟ (لماذا أخطأت والإجابة ببساطة لأنها بشر وكل إنسان يخطئ، ولكن الله يشملنا جميعا بجميل ستره وعفوه منذ أبينا آدم ونحن نخطئ.. لماذا أخطأ آدم رغم أنه كان لديه كل شيء؟ لماذا أخطأ وقد حذره ربه من المعصية؟ لماذا استمع لغواية إبليس وهو يعلم أنه عدوه؟ إنها طبيعة البشر المركبة من الخير والشر.. الاستقامة والزلل.. نفخة الروح والحمأ المسنون.
لكن الفارق بين آدم وإبليس أن آدم ندم واستغفر بينما إبليس أصر على المعصية (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ).
عندما حكي القرآن أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم بأن لهم الجنة وصف هؤلاء المؤمنين بصفات جاء على رأسها التوبة (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)؛ لذلك الله سبحانه وتعالى بعزته وجلاله يفرح بتوبة التائب، فلا تستهن بتوبة زوجتك أو تقول لنفسك الله يغفر لكنني أنا لا أغفر، ففضلاً عن أنها أذنبت قبل أن تعرفها ولم ترتكب ذنبًا وهي لك زوجة فإنك لا تأمن أن يبتليك الله بالذنوب.. ومن أدراك إن تزوجت امرأة أخرى أنها لم تذنب هي الأخرى..
كل مشكلتك أنك عرفت ذنب زوجتك وصارحتك هي به، فكم من امرأة اقترفت من آثام ولم يعرف أحد ولم تخبر هي أحدًا؟! بل كم امرأة اقترفت الآثام ولم تتب؟ وكم امرأة اقترفت الآثام وهي متزوجة ولم يعرف زوجها؟
لا أقصد أن أضغط عليك، ولكن أريدك أن ترى الصورة بكل وضوح قبل أن تتخذ قرارًا ما.. صورة الذنوب التي تحيط بالبشر جميعًا بمن فيهم النساء.. الذنوب التي تم الاعتراف بها والذنوب الكثيرة التي لم يتم الاعتراف بها.. الذنوب التي دفعت أناسًا للتوبة الصادقة والذنوب التي أصر عليها أصحابها أو تجاهلوها كأن لم تكن.. وتضع زوجتك داخل هذه الصورة الكبيرة فأين تجد موضعها؟
هل تصلح كأم؟
ومن أكثر منها يصلح لهذا الدور.. امرأة صدقت في توبتها.. زوجة مخلصة وصادقة.. زوجة مستقيمة.. امرأة هي دعم وسند وقفت معك وقفات جادة في أوقات بالغة الصعوبة حتى أنك تقول عنها إنها قدمت لك من الوفاء والدعم ما أنت متأكد من أنه أمر نادر في هذا الزمن.. كل هذه مؤهلات شخصية تبشر بأم تقية سوف تربي أولادها على الخلق والدين والاستقامة والوفاء...
لعلك تقول ولكن سبق وأذنبت وأنا أقول لك أن من أذنب وتاب يعرف جيدًا الأسباب التي شجعته على اقتراف الذنب، ويعرف جيدًا كيف يتجنبها وكيف يجنبها أولاده؛ لذلك قال سيدنا عمر بن الخطاب (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية)، أو كما قيل ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه..
أقصد لو افترضنا جدلاً أنك تزوجت امرأة بلا ذنوب.. امرأة خيرة تمامًا لا تعرف الذنوب لن تكون كأم أفضل لأولادها لأنها لا تدرك الطبيعة البشرية التي تقترف الأخطاء والذنوب ولن تعرف الطرق المؤدية لذلك وكيف نتجنبها.
مشكلتك -أخي الكريم- مع زوجتك ليس في أنها لا تصلح كأم لأولادك، بل مشكلتك معها في أنك تجتر ذكريات الماضي أو تجتر الصورة الذهنية التي صنعتها أنت حول هذا الماضي.
ما هو الحل؟
أخي الكريم، كما قلت لك في بداية رسالتي أنا لا أنكر مشاعرك وليس عليك أن تنكرها وتتجاهلها عنوة؛ لأنها ستصبح أكثر إلحاحًا عليك وتصنع مسارًا عصبيًّا في الدماغ يقوى كلما تذكرتها ويتعمق إذا ارتبطت هذه المشاعر بصور ذهنية متخيلة عن الماضي، والخيال عندما يتدخل في هذا المسار النفسي يلهبه ويجعل فيه شحنات عاطفية مدمرة؛ لذلك:
ـ لا داعي لإنكار مشاعرك بل قم بإحضارها بوعي مقصود بدلاً من أن تفرض نفسها عليك، ثم قل لنفسك هذه الصورة مجرد خيال ليس لها علاقة بالواقع الذي أعيشه مع زوجتي الآن، وفي هذه اللحظة سيتغير مسار الفكرة من الماضي للحاضر، وفي كل مرة كرر نفس العبارة حتى يضعها عقلك كمبدأ ثابت في التعامل مع هذه القصة.
ـ ثم قم بتحويل انتباهك بصورة واعية عن هذه الصورة الذهنية.. يمكنك أن تتنفس بعمق وتستغفر الله وتستحضر الذكر بقلبك.
ـ تقليل التفاصيل.. لا تسألها عن تفاصيل.. لا تسعى وراء تفاصيل.. لا تتخيل تفاصيل.. الشيطان يكمن في التفاصيل.. التفاصيل تشعل الصورة الذهنية الباردة وتضخ فيها الحياة فكأن ما حدث في الماضي يحدث في اللحظة فاقطع شريان الحياة عن الصورة الذهنية وإياك وتغذيته بالتفاصيل.
ـ قم بالتفكيك المعرفي للأفكار التلقائية التي تدور في ذهنك، فمثلا "أشعر أنني لا أحترمها بالكامل" اسأل نفسك لماذا؟ في اللحظة الراهنة فيما أخطأت؟.. اعكس الفكرة وقدّم لنفسك أدلة كيف أنها في اللحظة الراهنة جديرة بالاحترام.
ـ بناء سردية جديدة لعلاقتك بزوجتك عن طريق تغيير المعنى النفسي للماضي.. انظر لها كما هي في هذه اللحظة.. اسأل نفسك لو لم تخبرك شيئًا عن ماضيها كيف كنت ستراها الآن؟ هذا السؤال يقوم بعملية تحويل إدراكي قوي.. فتتحول السردية من تزوجت بامرأة لها ماض إلى تزوجت بامرأة مستقيمة وفيّة داعمة كان لها ماض تابت منه وصلحت توبتها.. هنا يتم إغلاق صفحة الماضي.
ـ الشيطان سوف يوسوس لك كي تجتر الصورة الذهنية الماضية، في كل مرة يحدث ذلك استخدم الأدوات التي شرحتها لك واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، بالتدريج ستنطفئ هذه الأفكار حتى تتحول لمجرد ذكرى باهتة فلا تقلق من عودة الفكرة المرة بعد المرة، لكنك ستجد خفوتًا تدريجيًّا، وهذه علامة إيجابية لتخطيك هذه المشكلة.. كتب الله لك الخير وأسعد قلبك وبارك لك في زوجتك ورزقك الذرية الصالحة، وتابعنا بأخبارك دائمًا.
روابط ذات صلة:
كيف أتخلص من وسوسة الماضي وأشعر بحلاوة التوبة؟