هل يجوز تحت ذريعة "حقن الدماء" التنازل عن الأرض والمال؟

ما الحدود الفقهية بين "الهدنة المؤقتة" و"عقد الصلح الدائم" في الفقه الإسلامي؟ وهل يجوز تضمين شروط في معاهدات السلام يخسر فيها أحد الأطراف بعض حقوقه المالية أو الترابية لمصلحة حقن الدماء؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن تنظيم علاقات الأمة الإسلامية مع غيرها من الدول والأطراف مبنيٌّ على أصل السلم والأمن والعدل، مع الحفاظ الصارم على السيادة والمقدرات وثوابت الأمة. وفي نازلة العلاقات الدولية والسياسة الشرعية، تتحدد الأحكام الفقهية بين «الهدنة المؤقتة» الموادعة و«عقد الصلح الدائم»، مع عناية فائقة لأحكام حماية المال والأرض في الشريعة، واعتبار أن الحقوق الترابية والمالية العامة ليست ملكًا لحاكم أو حكومة لتفرط فيها، بل هي أمانة في أعناق الأجيال الحالية والمستقبلية ووفاء لتضحيات الماضي.

 

اختصارًا:

 

الحدود الفقهية بين الهدنة المؤقتة والصلح الدائم:

 

الهدنة المؤقتة الموادعة: هي كفُّ الحرب لمدة محدودة ومؤقتة لمصلحة راجحة تعود على المسلمين كضعف أو حاجة، ويجوز نقضها إذا ظهرت خيانة أو تبدلت المصلحة بشرط نبذ العهد على سواء. ولا تقتضي إسقاطًا للأحقية الدائمة في الأرض أو الحقوق.

 

عقد الصلح الدائم: هو عقد معاهدة مستمرة لإقرار السلم الدائم، ويكون في أحوال معينة بشروط منضبطة، غير أنه لا يجوز أن يتضمن إسقاطًا للأصول الثابتة أو تنازلاً عن السيادة والأراضي الإسلامية.

 

حكم التنازل عن الحقوق المالية أو الترابية لمصلحة حقن الدماء:

 

الأرض ومال الأمة وقف إسلامي وحق عام للأجيال؛ فلا يملك الحاكم ولا أي سلطة سياسية التنازل عن شبر من أرض الإسلام أو حقوق الأمة الثابتة لمجرد التسوية المؤقتة أو الضغط، لأن ولاية الحاكم مقيدة بالمصلحة الشرعية المعتبرة.

 

ولكن عند تحقق ضرورة قاطعة لا اندفاع لها إلا بتقديم تنازل مالي أو ترابي مؤقت أو محدود لإنقاذ الأمة من إبادة محققة، يجوز بالضوابط المشددة وبأضيق حدود ممكنة لحقن الدماء، شريطة ألا يسقط أصل الحق وألا يكون تنازلاً عن الأراضي المقدسة أو الثوابت الكبرى.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: حماية الأرض والمال واعتبارهما حقاً عاماً للأجيال وعدم جواز التفريط بهما:

 

ذهب الفقهاء في أحكام الجهاد والسياسة الشرعية إلى أن ديار الإسلام وأموال الأمة العامة لا يجوز التنازل عنها لأنها متعلقة بحقوق الله تعالى وحقوق كافة المسلمين في المستقبل.

 

قال الإمام أبو حنيفة النعمان وصاحباه رحمهم الله في أحكام دار الإسلام كما نقلها الكاساني في بدائع الصنائع: «دار الإسلام لا تصير دار كفر إلا بظهور أحكام الكفر فيها واستيلاء المشركين عليها بصورة مطلقة، وأرض المسلمين وثغورهم محفوفة بحق الجماعة، وليس للإمام أن يسلم شبرًا واحدًا من أرض الثغور أو يفرط فيها ما دام في المسلمين رمق؛ لأنها حقوق للأجيال وليست ملكًا للحاكم».

 

وقال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار على الدر المختار" - باب الاستيلاء على ديار الإسلام: «وحفظ البلاد والثغور من أعظم الواجبات، ولا يجوز بحال للملك أو الأمير أن يعاقد على تسليم أرض الإسلام أو إخضاعها للعدو تنازلاً عن السيادة؛ لأن الأرض وقف على مصالح المسلمين عامة، والتفريط فيها خيانة للأمانة».

 

ثانيًا: الفرق الفقهي بين الهدنة والصلح وشروط الجواز:

 

جاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" ج 41 ص 244 - باب الموادعة والهدنة: «الهدنة مؤقتة بحسب المصلحة ولا يجوز أن تكون مؤبدة بلا قيد إلا إذا تحققت مصلحة عظمى، وشرطها الأساسي ألا تتضمن إقرارًا بظلم أو إسقاطًا لحقوق الأمة الثابتة في الرقاب والأموال والأراضي؛ لأن الولاية على الأمة مقيدة بشرط المصلحة».

 

وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في كتابه "العلاقات الدولية في الإسلام": «الصلح الدائم مع المحتل أو الغاصب للأرض لا يصح إن كان يتضمن إسقاط حق الأمة في أرضها أو التنازل عن سيادتها؛ فالأرض الإسلامية والمال العام وديعة في يد الحاكم لا يملك هبتها ولا التنازل عنها، وحقن الدماء وإن كان مقصدًا شرعيًّا عظيمًا إلا أنه لا يُتوصل إليه بإهدار الأصول الكلية وحقوق الأجيال القادمة».

 

القواعد الفقهية الحاكمة في التنازل عن الأرض والمال حقنًا الدماء:

 

قاعدة: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة":

 

أي قرار تتخذه السلطة أو القيادة في المعاهدات أو الصلح يجب أن يدور مع مصلحة الأمة وجودًا وعدمًا، والتنازل عن الأرض والمال مفسدة قطعية تُعارض مقاصد الشريعة في حفظ النسل والمال والوطن، فلا يصح.

 

قاعدة: "لا يُسقط حق بمرور الزمان":

 

الحقوق العامة للأمة كالأرض والسيادة والمال العام لا تسقط بالتقادم ولا بتوقيع الحاكم أو المعاهدات الجائرة، وحق الأجيال القادمة والماضية في الوفاء ثابت لا يسقطه عجز جيل من الأجيال.

 

قاعدة: "ارتكاب أخف الضررين لا يبيح التنازل عن الثوابت الكبرى":

 

إذا تعارض حقن الدماء مع إهدار السيادة الكبرى والأرض والمال العام للأمة، فإن حفظ الكيان والأصل مقدم على التنازلات الباطلة التي تفتح باب الاستباحة الدائمة، ما لم تصل الضرورة إلى الهلاك التام المحقق الذي يخضع لفقه النوازل الاستثنائي الضيق جدًّا. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حكم التصالح مع اليهود الغاصبين لأرض فلسطين