<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">أنا شاب كنت لاهي وغارق بالغفلة، تارك للصلاة، وأشرب خمر وأسوي بعض المعاصي مع ربعي. كنّا عايشين بدون هدف ولا نفكر بالعواقب، إلين ما ابتلاني الله عز وجل قبل فترة بمرض شديد قعدني بالفراش، وحسيت وقتها إن أجلي قرب.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">بهذيك اللحظات الصعبة، ناجيت الله بقلب منكسر، وعاهدته إذا كتب لي الشفاء إني أفتح صفحة جديدة وأتوب توبة نصوح. والحمد لله رب العالمين، استجاب الله لدعاي وكتب لي الشفاء.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">رجعت بحمد الله لصلاتي وحافظت عليها، وتركت الخمر والكبائر، وحسيت بطمأنينة وراحة ولذة بالقرب من الله.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">بس التحدي اللي يواجهني اليوم هو طبيعة علاقتي بربعي القدامى؛ هذول رفقاء طفولتي وشبابي، وبيننا رصيد كبير من الذكريات والمواقف الطيبة، وهم في تعاملهم معي لطفاء وايد، ما يضغطون علي عشان أرجع للي كنت عليه، ولا يتمسخرون على صلاتي وتوبتي؛ بالعكس يحترمون قراري. بس هم للحين مستمرين على أفعالهم القديمة؛ ما يصلون، ويشربون خمر ومحرمات في جلساتهم، ولما أحاول أنصحهم يبررون موقفهم بحجة إنهم للحين شباب، وأن التوبة والالتزام مرحلة بتجي بعدين بعد الزواج والاستقرار.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">أجد نفسي في حيرة؛ ما أقدر أقطع علاقتي فيهم بسهولة عشان المعزة اللي بيننا، وبنفس الوقت خايف على استقامتي وإني أتأثر بهم مع مرور الوقت.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">فهل يجب عليَّ شرعًا أقطع علاقتي برفقاء الماضي وأنهي هالصداقة نهائيًا؟<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">وهل عليَّ إثم أو حرج بمجرد استمرار التواصل والقعدة معهم، دام إني ما أشاركهم أفعالهم ولا يجبروني على المحرمات؟<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وجزاكم الله خيرًا.</span></p>
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأحمد الله -تبارك وتعالى- على أن مَنَّ عليك بالشفاء والعافية، وأخذ بيدك
من ظلمات الغفلة والضياع إلى نور الهداية والإيمان، وأسأله –سبحانه- أن يثبتك على
الحق، وأن يشرح صدرك، وأن يديم عليك نعمة الأمن والطمأنينة ولذة القرب منه، وأن
يهديك ويهدي بك رفقاءك، ويجمعكم جميعًا على طاعته ومحبته.
ولدي
العزيز، إن ما مررتَ به من ابتلاء بالمرض، وما أعقبه من صحوة قلبية وتوبة نصوح، هو
رحمة إلهية كبيرة أراد الله بها لك الخير والنجاة. وإن هذه اللذة والطمأنينة التي
تجدها اليوم في صلاتك وقربك من الله هي البشرى بحياة طيبة ومباركة.
أما
حيرتك وتنازع المشاعر في قلبك تجاه رفقاء طفولتك وشبابك، فهي حيرة يمر بها معظم
السالكين في طريق التوبة؛ حيث يختلط حنين الذكريات وحب الأصدقاء، بالخوف الشديد
على الدين والاستقامة وخشية الانتكاس.
حكم
مجالسة الأصدقاء حال المعصية
دعنا
نبدأ بالمسألة التي تمس واقعك اليومي المباشر، وهي سؤالك عن التواصل معهم
ومجالستهم حال المعصية، وهل عليك إثم في هذا حتى لو كنت لا تشاركهم في المعصية ولا
يجبرونك عليها؟
والجواب
الشرعي الواضح يا بني في هذه المسألة، هو: نعم، يلحقك الإثم، وتُعرِّض دينك لخطر
بالغ بمجرد مجالستك لهم في الأوقات والأماكن التي يمارسون فيها المحرمات (كشرب
الخمر وترك الصلاة)، حتى لو لم تشرب معهم ولم تفعل فعلهم.
والأدلة
الشرعية على ذلك صريحة وقاطعة، فقد ورد النهي القرآني الصريح عن مجالسة أهل المنكر
أثناء ارتكابه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ
آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ
حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ
اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾
[النساء: 140]. وقد أجمع أهل العلم على أن المقارنة في الآية ﴿إِنَّكُمْ إِذًا
مِّثْلُهُمْ﴾ تعني أن من جلس في مجلس يُعصى الله فيه ورَضِيَ بالبقاء دون إنكار أو
مفارقة للمكان، فهو شريك لهم في الإثم والوزر.
وقد
قال النبي ﷺ بعبارة قاطعة: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
فَلا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» [رواه الترمذي
وحسَّنه، وأحمد]. فالنهي لم يقتصر على شرب الخمر، بل تعداه إلى مجرد المجالسة على
مائدة يدور عليها الشرب؛ لأن حضور هذه المجالس يُميت القلب، ويُزيل نفور النفس من
المعصية، ويمهد للانزلاق إليها مستقبلًا.
هل
يجب قطع العلاقة بالكامل وإنهاء الصداقة؟
أما
عن سؤالك عن حكم قطع العلاقة بهم وإنهاء الصداقة، فهنا يجب أن نميز بين أمرين:
1-
المفارقة الواجبة لمجالس المعصية: فكما اتضح في الفقرة السابقة، يجب
عليك فورًا وبلا تردد قطع ومفارقة جلسات الخمر والمحرمات.
2-
التواصل بنية النصح: لا يُطلب منك فورًا ولا يُشترط أن تعلن
مفارقتهم وتقطع التواصل واللطف والإحسان معهم، وتظهر لهم الجفاء، ولكن يجب عليك
ترشيد هذه الصداقة بشدة، والتراجع خطوتين إلى الوراء لتتحول من صحبة ملازمة
ومجالسة إلى تواصل هدفُه النصح والإصلاح، ودعوتهم إلى التوبة والعودة إلى طريق
الله المستقيم.
فإذا
تبين لك مع الوقت أن تواصلك معهم -حتى في غير أوقات المعصية- يجرُّك إلى الغفلة،
أو يضعف إيمانك، أو يقودك للعودة للماضي، فإن البتر والقطع الكامل يصبح فرض عين
عليك لحماية نفسك ودينك.
وأحذرك
يا ولدي من الاستمرار معهم بنفس القرب والعمق، وذلك للأسباب التالية:
1-
عدوى السلوك والأثر المتراكم: فالإنسان يتأثر بتكرار التعرض ويضطر
للمسايرة والمحاكاة دون أن يشعر. قال رسول الله ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ
خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» [رواه أبو داود].
2-
ضعفك في فترة النقاهة: فالتائب في بداياته يشبه المريض الخارج
حديثًا من المشفَى؛ فإيمانك ما زال رقيقًا، وقلبك لم يستجمع القوة الكاملة بعد،
ومجالسة أهل الغفلة توقظ الشبهات والشهوات الكامنة في نفسك.
3-
أهمية تغيير البيئة: تأمل معي قصة الرجل الذي قتل مائة نفس،
فلما ذهب إلى العالم يسأله هل له من توبة؟ كان أول شرط وضعه العالم لاستقامة توبته
هو تغيير بيئته وأصحابه، حيث قال له: «انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا،
فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلا
تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكِ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ» [متفق عليه]. فلم يضمن له
العالم الثبات إلا بمفارقة البيئة القديمة وأصحابها.
تفنيد
وهم «التوبة بعد الزواج»
أما
المبرر الذي يطرحه أصحابك بأنهم ما زالوا شبابًا، وأن التوبة والالتزام مرحلة
ستأتي بعد الزواج والاستقرار، فهذه واحدة من أخطر حيل الشيطان المسماة بتسويف
التوبة وطول الأمل.
وأنت
يا ولدي خير شاهد على بطلان هذا التفكير؛ فقد أخذك المرض بغتة وأنت في زهرة شبابك،
وحسبتَ أن أجلك قد حان. إن الموت لا يستأذن أحدًا، ولا يعرف زواجًا ولا شيخوخة ولا
شبابًا.
يقول
الله –تعالى- زاجرًا عن هذا التسويف: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا
إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ
يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99 و100].
وقال
التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله: «إِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ؛ فَإِنَّكَ
بِيَوْمِكَ وَلَسْتَ بِغَدِكَ» [تنبيه الغافلين للسمرقندي].
مقترحات
عملية لإدارة هذه المرحلة
1-
إعلان المبدأ بوضوح ولطف: اجلس مع أصدقائك في مكان عام لا تُمارس
فيه المحرمات، وحدِّثهم بصدق ولين: «أنتم رفقاء عمري ولكم في قلبي معزة كبيرة؛
لكنكم تعلمون الموقف الصعب الذي مررت به في مرضي والعهد الذي بيني وبين الله. أنا
أحبكم وأرحب بلقائكم في أي وقت وفي أي مكان لا يُعصى الله فيه، لكنني لن أتمكن بعد
اليوم من الحضور في الجلسات التي فيها شرب خمر أو ترك للصلاة». هذا الحسم يرفع عنك
الحرج ويجعلهم يحترمون حدودك.
2-
تغيير نمط اللقاءات: إذا أردت رؤيتهم للسلام والود، فلا تلتق
بهم في أماكنهم الخاصة، بل انقل اللقاءات إلى أماكن عامة مفتوحة، كالمطاعم، أو
لممارسة رياضة ما، وحبذا لو دعوتهم للقائك بإحدى الصلوات في المسجد، فهذا السياق
المفتوح يمنع وقوع المنكرات ويحافظ على أصل التواصل دون إثم.
3-
البحث عن صحبة بديلة: القلب والنفس لا يتحملان الفراغ
الاجتماعي؛ فإن لم تجد صحبة صالحة، فسيعود بك الشوق إلى صحبتك القديمة. فابحث عن
بيئة إيمانية في المسجد، أو في أندية رياضية، أو حلقات العلم ومجالات التطوع. يقول
الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ
والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ
الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا
واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
4-
الدعوة بالقدوة والموعظة الحسنة: كن قدوة لأصدقائك ولكل من حولك.
استمر في برّك وتواضعك وأخلاقك العالية. فرؤيتهم للتغير الإيجابي في حياتك
واستقرارك النفسي ستكون أبلغ دعوة لهم. وإذا سنحت فرصة مناسبة، فانصحهم بلين
وبأسلوب حسن، دون استعلاء أو جفاء.
وختامًا
يا ولدي، تذكر دائمًا هذه القاعدة العظيمة التي قررها النبي ﷺ: «إِنَّكَ لَنْ
تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ إِلاَّ بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ
مِنْهُ» [رواه أحمد]. فلا تخف من فوات بعض العلاقات القديمة التي ارتبطت بالمعصية
والإثم وتضييع الفرائض وانتهاك حدود الله، فإن الله -جل وعلا- سيعوضك عنها أنسًا
ولذة في عبادته، وصحبة صادقة يحبونك في الله وتأنس بهم روحك في الدنيا والآخرة.
أسأل
الله أن يثبِّت قلبك على طاعته، وأن يصرف عنك السوء والمحرمات، وأن يهدي رفقاءك
ويشرح صدورهم للتوبة النصوح، وأن يجمعكم جميعًا على الهداية والتقوى، وأن يجعل
آخرتك خيرًا من دنياك، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه
أجمعين.
روابط
ذات صلة:
بعد التوبة.. كيف أتخلص من الحنين لذنوب الماضي؟
كيف نبني إيمانًا لا ينهار عند غياب «الصحبة الصالحة»؟