بيع الدم والتبرع به للمسلمين وغيرهم في ميزان الشريعة

ما حكم بيع الدم أو أخذ مقابل مالي مشروط للتبرع به في الحالات غير الطارئة؟ وهل يجوز للمسلم التبرع بالدم لغير المسلم بدافع الإنسانية؟

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد

فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، حفظ النفس إحدى المقاصد الكبرى في الشريعة الإسلامية، بل في مقدمتها، لأن الإنسان هو مدار التشريع، ولولاه لما كان للمقاصد الأخرى معنى، ونظراً للتطور الطبي المعاصر، برزت مسألة التبرع بالدم كوسيلة حيوية لإنقاذ الأرواح وعلاج الأمراض. وبما أن الإنسان مكرم في المنظور الإسلامي، وليس سلعة تجارية تُباع وتُشترى، فإن إفرازات الجسد البشري وأجزاءه تخضع لأحكام فقهية دقيقة توازن بين كرامة الآدمي وبين الحاجة الطبية المعتبرة، وبناءً عليه نبيّن الأحكام الشرعية المتعلقة ببيع الدم والتبرع به للمسلم أو غير المسلم.

اختصارا: بيع الدم أو أخذ مقابل مالي مشروط مقابله محرم شرعاً ولا يجوز؛ فالدم نجس يحرم بيعه، والإنسان مكرم لا يصح جعل أجزائه محلاً للمعاوضة المالية. أما المكافآت أو الهدايا غير المشروطة التي تمنحها الجهات الطبية كتشجيع دون اشتراط أو عقد بيع فجائزة ولا تدخل في التحريم.

حكم التبرع بالدم لغير المسلم بدافع الإنسانية جائز شرعاً ومستحب، بشرط ألا يكون المستفيد محارباً للمسلمين، لأن التبرع من باب الإحسان وبذل المعروف للنفس البشرية المعصومة، والإسلام دين الرحمة والإنسانية.
واجتهد بعض المعاصرين قياسا على مسألة "هبة الثواب" التي قررها الفقهاء قديما ولها عدة تطبيقات معاصرة، فأجاز بعضهم لبنوك الدم - 
تحفيزا للمتبرعين - أن تمنح المتبرع صكا، يعطيه الأولوية أن يصرف الكمية التي تبرع بها إذا احتاج لها - لا قدر الله - لها في أي وقت لنفسه أو لأحد من أهله، في حادث أو عملية جراحية أو ما أشبه، وهو باب خير وفضل ولا حرج فيه ولا يعد ثمنا، بل ربما يدفع عددا من الناس لا يفكر أصلا في مسألة التبرع أن يقدم على التبرع بالدم فينقذ نفسا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا. 

أولاً: حكم بيع الدم وأخذ المقابل المشروط

اتفق العلماء والمجامع الفقهية على تحريم بيع الدم في الحالات العادية غير الطارئة، واستدلوا بحديث أبي جحيفة رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَهَى عن ثَمَنِ الدَّمِ» صحيح البخاري، رقم 2084.

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي:

جاء في قراره رقم 26 1/4 بشأن زراعة الأعضاء ونقل الدم:

"إن تسييل بضع الإنسانية وجعلها محلاً للبيع والمقايضة أمر محرم شرعاً، وبناءً عليه فإن بيع الدم حرام لا يجوز، ولكن يجوز إعطاء المال على سبيل الهبة أو المكافأة التشجيعية من الجهات الرسمية للمتبرعين دون شرط مسبق".

قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي:

أكد المجمع في دورته الحادية عشرة 1409هـ على ما يلي:

"أخذ العوض عن الدم والبيع له حرام، لأنه من المحرمات بنص القرآن الكريم، ولحديث النهي عن ثمن الدم، ولأن الإنسان لا يملك جسده بيعاً ومعاوضة".

استثنى الفقهاء حالة "الضرورة" لإنقاذ حياة مريض إذا لم يوجد دم بالمجان، فيجوز للمشتري دفع المال إحياءً للنفس، ويكون الإثم على البائع الآخذ للمال دون حاجة ملحة.

ثانياً: حكم التبرع بالدم لغير المسلم

اتفق عامة العلماء المعاصرين والهيئات الإفتائية على جواز التبرع بالدم لغير المسلم المعاهد أو المستأمن غير المحارب تحبيباً في الإسلام ومن باب البر الإنساني.

فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء المملكة العربية السعودية:

سئلت اللجنة عن التبرع بالدم لغير المسلم، فأجابت في الفتوى رقم 1859:

"يجوز للمسلم أن يتبرع بدمه لغير المسلم إذا كان معصوم الدم أي ليس محارباً، لأن ذلك من إغاثة اللهفان وإعانة المحتاج، وقد قال الله تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}".

دار الإفتاء المصرية أكدت في فتاواها المستقرة:

"إن التبرع بالدم لغير المسلمين هو من قبيل الصدقة وبذل المعروف للإنسان لكونه إنساناً، وهو جائز ومندوب إليه، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل كبد رطبة أجر» متفق عليه".