كيف نظر الفكر الفلسفي والأخلاقي للقسوة؟

كيف نظر الفكر الفلسفي والأخلاقي إلى القسوة التي تتملك بعض الناس حتى تبدو قلوبهم أقسى من الحجارة، وهل هناك من الفلاسفة من مجد القسوة، أم أن المنظور الأخلاقي رفضها واعتبرها انحرافا في الطبيعة الإنسانية؟

أخي الكريم، القسوة لها نماذجها الموجودة والمتكررة في مسيرة الإنسان، والتي بلغ بعضها مبلغًا قد لا يصدقه العقل، وفي كتب التاريخ قصص من القسوة مرعبة لقساة لم تطرق الرحمة قلوبهم، مثل الفاتح المخيف "تيمور لنك" الفاتح المغولي الشهير المتوفى (1405م) والذي قتل ما يقرب من (17) مليون إنسان خلال فتوحاته العسكرية، وهو رقم يعادل 5% من سكان العالم حينها، ويروى أنه قتل أكثر من عشرين ألفًا في مدينة حلب وحدها سنة (1400م)، وبنى أبراجًا من جماجم القتلى.

 

هل القسوة أزمة وجودية؟

 

أخي الكريم، القسوة ليست من الأخلاق الذميمة فقط، ولكنها خلق ونهج وسلوك مخيف للغاية، وكلما كانت القسوة متغلغلة في النفس، كثرت أعداد الضحايا، والضحايا قد يكونون من البشر والمخلوقات الأخرى حتى البيئة تتعرض لإثم هؤلاء القساة ولذلك اعتبرها البعض بأنها "أسوأ أنواع الخطايا".

 

فيلسوف القوة "نيتشه" كان يقول: "الإنسان هو أقسى الحيوانات" ربما لأن القسوة في الحيوان مرتبطة بالغريزة، في أغلب الأحيان، وليس بروح الانتقام، ولأن القسوة في الحيوان ليست نتاجًا لأفكار ومعتقدات، ولكنها ترتبط أحيانًا بغرائز فطرية مثل الافتراس من أجل الطعام، وربما توقفت مع تحقق الإشباع من الطعام.

 

كان الأديب الروسي الشهير "ديستوفسكي" يعتبر أن القسوة أزمة وجودية، وليست خطأ عابرًا، وأن الإنسان هو أقسى المخلوقات، فيقول: "يتحدث الناس أحيانًا عن قسوة الحيوان، لكن هذا ظلمٌ فادحٌ وإهانةٌ للحيوانات، فلا حيوان يمكن أن يكون بقسوة الإنسان، ولا بمثل هذه البراعة والمهارة الفنية في القسوة".

 

نوع غريب من القسوة: أشار الأديب البريطاني "سي إس لويس" إلى نوع غريب من القسوة، تلك القسوة التي يمارسها الشخص أو حتى مجموعة ما أو نظام حكم معين، بعدما يتملكه شعور متضخم بالرسالية تجاه ضحاياه، فهو قد يقتلهم ويعذبهم بقسوة مرعبة ويظن في داخله أنه يفعل ذلك من أجل مصلحتهم وحماية لهم.

 

يقول "لويس": "من بين جميع أنواع الاستبداد، قد يكون الاستبداد الذي يُمارس بصدق من أجل مصلحة ضحاياه هو الأكثر ظلمًا. من الأفضل أن نعيش تحت حكم لصوص جشعين بدلًا من العيش تحت حكم متطفلين أخلاقيين متسلطين. قد تهدأ قسوة اللص الجشع أحيانًا، وقد يشبع جشعه في وقت ما؛ لكن أولئك الذين يعذبوننا من أجل مصلحتنا سيعذبوننا بلا نهاية لأنهم يفعلون ذلك بموافقة ضمائرهم".

 

أسباب القسوة: ولعل من مبررات القسوة المفرطة ما يسمى بـ"التشييء" أي تحويل الناس إلى أشياء ونزع الصفة الإنسانية عنهم، وعند ذلك تتقاطر المبررات للممارسة القسوة، ولذلك يقال: "يبدأ الشر عندما تبدأ في معاملة الناس كأشياء".

 

ولهذا "شبنهاور" ذلك الفيلسوف الذي عُرف عنه التشاؤم ذكر أن "الرحمة الشاملة هي الضمانة الوحيدة للأخلاق"، وهذه الرحمة الشاملة تحول دون أن يمارس الإنسان القسوة حتى ضد الحيوان؛ لأن رادع الأخلاق والضمير يحول دون القسوة.

 

ولذلك كان الفيلسوف الألماني الشهير "كانط" (المتوفى: 804هـ) يقول: "من يقسو على الحيوانات يقسو أيضًا في تعامله مع البشر، نستطيع أن نحكم على قلب الإنسان من خلال معاملته للحيوانات"، وربما تبدو هذه الملاحظة دقيقة لأن القساة يستهدفون الضعف ليغمروه بقسوتهم، ولهذا فإن السلطة المطلقة عندما توضع في أيدي الضعاف والشخصيات الهشة، فإن منابع القسوة تنفجر في نفوسهم بصورة لا يمكن توقعها.

 

لكن هناك من يذهب إلى أن منابع القسوة وجذورها الضعف والنقص وليست دليلاً دامغًا على امتلاك القوة؛ فالقسوة هي الوجه الآخر المخفي للضعف، يقول الفيلسوف القديم "سينيكا" (المتوفى سنة 65م): "كل قسوة تنبع من ضعف"، ويرى بعض علماء النفس أن القسوة في بعض الأحيان تعبير عن انعدام الأمن والإحساس بالخوف؛ فالكثير من القساة عانوا من صعوبات وآلام، وهذه الآلام أسقطوها على الآخرين ليشعروا بالقوة والسيطرة من خلال القمع والعنف، ولذلك كان يرى الفيلسوف الإنجليزي "راسل" أن "الخوف أحد المصادر الرئيسية للقسوة، وأن والتغلب على الخوف هو بداية الحكمة".

 

في كتابها "القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري" لعالمة الأعصاب كاثلين تايلور، ترى أن القسوة فشل إدراكي وليست مجرد شر فطري، ولذلك تشير دراسات نفسية إلى أن البشر، إذا حُرموا من التواصل الاجتماعي الهادف، يميلون إلى أن يصبحوا حاقدين وعنيفين؛ بل وحتى مجانين.

 

وختامًا أخي الكريم، وفي الرؤية الإسلامية نجد أن القرآن جعل القلب هو المستودع الأهم للقسوة، فمن القلب تنبع القسوة، وهذه القلوب القاسية لا علاج لها إلا الجحيم، فقال تعالى في سورة "الزمر": {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ}.

 

موضوعات ذات صلة:

هل يولد الإنسان قاسيًا أم تصنعه الظروف؟!

التبلد.. لماذا أصاب أفكارنا ومشاعرنا؟

ما أفكار اليمين المتطرف؟

خطاب الكراهية دوافعه وتأثيراته