الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
69 - رقم الاستشارة : 4620
22/04/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نرجو من فضيلتكم التكرم ببيان الحكم الشرعي التفصيلي في مسألةٍ دقيقة تتكرر يوميًا في المؤسسات الصحية، وتتعلق بـ كشف عورات المرضى أثناء الإجراءات الطبية والتمريضية في بيئة المستشفيات، يمرّ المرضى—وخاصة في أقسام الطوارئ والعناية المركزة—بحالات ضعفٍ شديد، وقد تستلزم بعض الإجراءات الطبية كشف جزءٍ من عوراتهم. ومع وجود ضغوط العمل وكثرة الحالات، قد يقع تجاوزٌ في حدود الضرورة، سواء بقصد أو بغير قصد.
1. ما الضابط الشرعي الدقيق لمفهوم "الضرورة" في كشف العورة في المجال الطبي؟
وكيف يُفرَّق بين الضرورة الحقيقية، والحاجة، والتوسع غير المبرر؟
2. ما حدود كشف العورة المباحة شرعًا أثناء الإجراءات الطبية؟
وهل يجوز كشف أكثر من موضع الحاجة بحجة تسهيل العمل أو السرعة؟
3. ما حكم تعرية المريض تعريةً كاملة في حالات لا تستدعي ذلك (مثل تركيب قسطرة أو إعطاء حقنة)؟
وهل يدخل ذلك في باب التعدي أو الإثم المهني؟
4. ما الحكم في وجود أشخاص غير معنيين بالإجراء (كطلاب، أو مرافقين، أو موظفين آخرين) أثناء كشف العورة؟
وهل يُعد ذلك انتهاكًا شرعيًا لحرمة المريض؟
5. في حال عدم توفر كادر من نفس الجنس، ما الضوابط الشرعية للتعامل بين الجنسين عند الحاجة؟ وهل يُشترط وجود طرف ثالث (محرم أو زميلة) في الإجراءات الحساسة؟
6. ما حكم عدم الاستئذان من المريض—حتى لو كان فاقد الوعي—قبل البدء بالإجراء؟ وهل يُعد الاستئذان هنا أدبًا مستحبًا أم واجبًا يُؤثم تركه؟
7. ما المسؤولية الشرعية المترتبة على الطاقم الطبي في حال تعمّد أو تهاون في كشف عورة المريض دون ضرورة؟ وهل يُعد ذلك من خيانة الأمانة أو انتهاك الحقوق؟
8. كيف تنظر الشريعة إلى الأثر النفسي لانتهاك خصوصية المريض، وهل يدخل ذلك ضمن الضرر المعتبر شرعًا؟
9. ما التوجيهات الشرعية التي ينبغي ترسيخها في المؤسسات الصحية لضمان حفظ كرامة المرضى، خاصة في ظل التحديات العملية وضغط العمل؟ وجزاكم الله خيرًا، ونفع بكم.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأهلاً وسهلاً أخي السائل الكريم، ولكني أستميحكم عذرًا في أنني سأجيب على تساؤلكم الأول فقط، وأستأذنكم في إرسال باقي الأسئلة كل سؤال في رسالة مستقلة كما هي سياسة الموقع، لتسهيل الاطلاع عليها من الزوار أولا، وثانيًا حتى لا تطول الإجابة جدًّا بحيث يصعب الإحاطة بتفاصيلها والتعرف على الحكم الشرعي الصحيح فيها.
وهذا السؤال يعكس وعيًا مهنيًّا وأخلاقيًّا رفيعًا؛ فالحفاظ على كرامة المريض وصيانة عورته هو جزء لا يتجزأ من العملية العلاجية، ولا يقل أهمية عن الدواء والجراحة.
اختصارًا: الأصل هو حرمة النظر إلى العورة أو لمسها، لكن الشريعة أباحت ذلك في المجال الطبي استثناءً من أجل المرض وعلاجه، والضابط الشرعي في ذلك هو أن "الضرورة تُقدر بقدرها"؛ فلا يجوز كشف ما لا يحتاجه الإجراء الطبي، ولا يجوز بقاء العورة مكشوفة بعد انتهاء الحاجة، كما يجب الالتزام بمراتب الستر تقديم الطبيب من نفس الجنس، ثم الأقل عورة فالأكثر، والتوسع في الكشف بسبب ضغط العمل دون مسوغ طبي حقيقي هو "تفريط" يأثم فاعله.
بالنسبة للسؤال الأول: الضابط الشرعي الدقيق لمفهوم "الضرورة" في كشف العورة في المجال الطبي؟ وكيف يُفرَّق بين الضرورة الحقيقية، والحاجة، والتوسع غير المبرر؟
دعنا نقوم بتعريف هذه الأمور الثلاثة أولا مع مثال لكل منها:
أولاً الضرورة: ما لا يمكن التشخيص الصحيح بدونه، كمريضة تعاني مرضًا جلديًّا في عورتها المغلظة أو المخففة، وبالتالي لا بد للطبيب المختص أن يطّلع على موطن الشكوى ليتعرف على نوع الالتهاب أو المرض ليصف لها الدواء المناسب، ولكن ينبغي الاقتصار على الحد اللازم للتشخيص فقط؛ فمثلا لو أمكن الاكتفاء بالصورة عن المعاينة على الطبيعة فهو أستر وأحفظ لحياء الطبيب والمريضة، ولو كانت هناك طبيبة مختصة، أو ممرضة متمرسة تكفي معاينتها فهو يغني عن معاينة الطبيب الرجل، وفي كل الحالات يجب أن يرافقها محرم أو امرأة تمنع الخلوة، وتنفي الريبة عن عرضها.
ثانيًا الحاجة: حين يمكن التشخيص دون كشف العورة لكن مع مشقة ونسبة أكبر بالخطأ في التشخيص، وذلك مثل الأمراض التي لها أعراض داخلية يمكن وصفها، وأخرى ظاهرية تحدد المرض بدقة، فيجوز للطبيب الاطلاع بقدر الحاجة فقط، فإن أمكن الاستغناء عن المعاينة بالوصف أو الصورة فهو أفضل، وإلا فله أن ينظر بالقدر الواجب للتشخيص.
ثالثًا التوسع غير المبرر: النظر إلى مواطن عورات لا علاقة لها بالمرض من قريب أو بعيد، كما يحدث كثيرًا في عيادة الأمراض النسائية في متابعة الحمل الذي يمكن الاستغناء فيه بجهاز الأشعة التليفزيونية، ومع ذلك يطلب الطبيب منها أن تنزع ملابسها الداخلية، وتكشف عن سوأتها وبطنها، أو يكفي مثلاً قيام الممرضة بتحريك رأس جهار الأشعة، لكن الطبيب يقوم بذلك بنفسه فيلمس ما لا يجوز له لمسه، ويطّلع على ما لا يجوز له الاطلاع عليه، أو مريضة تعاني مرضًا جلديًّا، في وجهها والطبيب يطلب منها التعري التام ليفحص سائر جسدها بلا داعي، وهو خيانة للأمانة واطلاع على العورات بلا مبرر، وهو مسئولية المرأة ومحارمها قبل أن يكون مسئولية الطبيب، وإن كان محاسبًا ومسئولاً.
القواعد الفقهية الحاكمة:
1. "الضرورات تبيح المحظورات": وهي القاعدة التي تسمح بترك الحظر كشف العورة لتحقيق مقصد شرعي أعلى وهو حفظ النفس.
2. "الضرورة تُقدر بقدرها": وهذا هو الضابط الأهم؛ فإذا استلزم الأمر كشف القليل من العورة، فلا يجوز كشف الكثير، وإذا استغرق الإجراء وقتًا قليلاً، فلا كشف العورة لوقت أطول.
3. "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة": بمعنى أنه يدخل في حكم الضرورة الإجراءات التمريضية والوقائية التي قد لا تكون من باب إنقاذ للحياة، لكنها ضرورية لسير العلاج.
4. "يُختار أهون الشرين": فكشف العورة مفسدة صغرى يُرتكب لتجنب هلاك المريض أو تفاقم مرضه.
آراء العلماء في حدود وضوابط كشف العورة:
اتفق الفقهاء قديمًا كالإمام النووي وابن قدامة والمعاصرون على ترتيب هرمي يجب اتباعه قبل الكشف:
• الجنس: يجب أن يعالج الرجلُ الرجلَ، والمرأةُ المرأةَ. فلا يُنتقل لطبيب من جنس آخر إلا عند انعدام التخصص أو وجود كفاءة نادرة أو حالة طارئة جدًّا.
• المكان: لا يُكشف إلا موضع العلة فقط، ويُستر ما حوله.
• النظر واللمس: ما يكفي فيه اللمس من فوق الثوب لا يجوز فيه اللمس المباشر، وما يكفي فيه الجس لا يجوز فيه النظر المباشر بالعين إذا أمكن الاستغناء عنه.
ويرى العلماء المعاصرون أن ضغط العمل "عذر" في سرعة الإجراء، لكنه ليس "عذرًا" في إهمال الستر. لذا يجب على المؤسسات الصحية توفير وسائل الستر السريعة؛ الستائر المتحركة، الملابس المخصصة لأماكن معينة من الجسم لتقليل الانكشاف. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
إباحة تطبيب الرجل للمرأة بين حد الحاجة والضرورة