الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
5656 - رقم الاستشارة : 2192
26/07/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا بنت قلبي اتعلق بشخص معين وبدعي ربنا كتير يكون من نصيبي في الجواز. بس خايفة أكون بتعلق بيه ومكونش مسلمة لمشيئة ربنا.
الموضوع لسه مفيش فيه أي خطوات واضحة، وده مزود حيرتي بين رغبتي وخوفي من التعلق بدون فايدة.
سؤالي: هل الدعاء ده مقبول شرعًا؟
وإمتى المفروض أوقف الدعاء بالموضوع ده وأسلم الأمر كله لربنا؟
وهل فيه علامات تقول إن جه الوقت ده؟
ياريت حضرتك تجاوبني عشان قلبي يرتاح.
مع الشكر
ابنتي الغالية، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أرحب بك، داعيًا الله –عز وجل- أن يفرج همكِ، ويشرح صدركِ، وييسر أمركِ، ويرزقكِ من حيث لا تحتسبين كل خير في دينكِ ودنياكِ وآخرتكِ. اللهم آمين، وبعد...
فإني أشعر جيدًا -يا ابنتي- بما يدور في قلبكِ؛ بين أملٍ يحدوكِ، ودعاءٍ ترفعينه، وخوفٍ من التعلق بما لم يُكتب بعد. وأطمئنك -بدايةً- بأن قلبكِ هذا الذي يتوجه إلى الله بالدعاء، ويخشى أن يخرج عن مشيئته، هو قلب نقي طاهر، ما كان الله -عز وجل- الرحمن، الرحيم، العليم، الخبير، ليخذله أو يتخلى عنه.
وتعالَي نتناول معًا أسئلتك بالتفصيل، عسى أن تجدي راحة قلبك التي تطلبينها.
1- هل الدعاء بالزواج من شخص معيَّن جائز شرعًا؟
نعم يا ابنتي، الدعاء بالزواج من شخص معين جائز شرعًا؛ وهو من صميم العبادة والتوكل على الله؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- يحب أن يسأله عبده كل شيء، صغيرًا كان أو كبيرًا، دنيويًّا كان أو أخرويًّا.
إن الدعاء هو العبادة، كما قال نبينا ﷺ وهو صلة العبد بربه، وبابٌ عظيمٌ لطلب الخيرات ودفع المكروهات. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].
وإنك عندما تدعين الله أن يكون هذا الشخص «من نصيبك»، فأنتِ في الحقيقة تدعين الله بالخير المطلق؛ لأنكِ تطلبين منه أن يجمعكِ بشخصٍ ترينه مناسبًا لكِ في دينكِ ودنياكِ. والأصل في الدعاء أن يكون بخير، وأن يطلب العبد ما يرجوه من ربه.
أما عن خوفكِ من التعلق بالشخص، ونسيان مشيئة الله، فهو خوفٌ في محله، وهو دليل على إيمانك. ولكن الدعاء لا يتعارض مع التوكل؛ بل هو جزءٌ منه. أنتِ تدعين الله، وهذا يعني أنكِ تضعين أمركِ بين يديه، وتطلبين منه أن يختار لكِ الخير. التعلق المذموم هو الذي يجعل قلبكِ معلقًا بالمخلوق وحده، غافلاً عن الخالق، أو الذي يجعلكِ تظنين أن الأمر بيد المخلوق لا بيد الله. فما دمتِ ترفعين يديكِ إلى الله، فأنتِ في أمان من هذا.
واعلمي –يا ابنتي- أن الله –تعالى- قد كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض، ودعاؤكِ هو من الأسباب التي قدرها الله سبحانه وتعالى. فقد قال النبي ﷺ: «لا يرد القضاء إلا الدعاء» [رواه الترمذي]. وهذا لا يعني أن الدعاء يغير القضاء المكتوب في اللوح المحفوظ؛ بل يعني أن الدعاء نفسه هو من القضاء الذي قدره الله، وهو سببٌ من أسباب تحقق ما قدره الله لكِ من خير، أو دفع ما قدره الله لكِ من سوء.
2- متى توقفين الدعاء؟
يا ابنتي، إن الدعاء ينبغي ألا يتوقف أبدًا، فالدعاء صلة لا تنقطع. ولكن هناك «تحوُّل» في طبيعة الدعاء وفحواه. أي: الانتقال من الدعاء بطلب شيء معين بإلحاح، إلى حالة التسليم الكامل والرضا بقضاء الله وقدره، مع استمرار الدعاء بالخير المطلق.
ورأيي أنه ما دام قلبكِ يميل إلى هذا الأمر، ولم تظهر موانع شرعية أو قدرية قاطعة، فاستمري في الدعاء. فالله يحب العبد اللحوح في دعائه. والتسليم ليس معناه اليأس من الدعاء أو التوقف عنه؛ بل هو أن تدعي الله بكل ما في قلبكِ، ثم تفوضي أمركِ إليه، وتثقي تمام الثقة بأنه سيختار لكِ الخير، سواء كان هذا الشخص أو غيره. هذا هو معنى التوكل الحقيقي. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3].
وأنصحك بصلاة الاستخارة، فبها تطلبين من الله أن يختار لكِ الخير، وتفوضين الأمر إليه. وبعد الاستخارة، مهما كان الأمر، سواء تيسَّر أو تعسَّر، فاعلمي أن هذا هو الخير الذي اختاره الله لكِ، فما خاب من استخار.
3- هل هناك علامات للتوقف عن الدعاء؟
بالتأكيد، لا توجد علامات أو «إشارات» تقول لكِ: «توقفي عن الدعاء الآن». إن الأمر –يا ابنتي- أعمق من ذلك، وهو يتعلق بحالة قلبكِ وتفويضكِ لله، وبالأسباب التي تتيسر أو تتعسر. ولكن يمكن أن نذكر بعض الأمور التي قد تكون مؤشرات:
- تعسر الأسباب بشكل قاطع: فإذا بذلتِ الأسباب المشروعة (كأن يتقدم الشخص أو تظهر نية جادة، أو أن يتم الحديث بين الأهل)، ووجدتِ أن الأبواب تُغلق بشكل متكرر وقاطع، أو ظهرت موانع شرعية لا يمكن تجاوزها (مثل عدم صلاح هذا الشخص بعد البحث والتحري)، أو رفض قاطع من الأهل، فهذه قد تكون إشارة من الله بأن هذا الأمر ليس فيه خير لكِ في الوقت الحالي، أو أنه ليس مقدرًا لكِ. هنا، يكون التسليم لله أولى، وتتحولين للدعاء بالخير المطلق.
- شعورك بعد الاستخارة: بعد صلاة الاستخارة، قد تشعرين بانشراح في صدركِ تجاه الأمر، فتتيسر لكِ الأسباب، أو قد تشعرين بانقباض أو عدم راحة، فتتعسر الأسباب. هذا الشعور ليس شرطًا، ولكن تيسير الأمور أو تعسرها هو الأهم. فإذا تعسرت الأمور بعد الاستخارة، فاعلمي أن الله صرف عنكِ سوءًا، أو اختار لكِ خيرًا آخر.
- الرضا والتسليم القلبي: العلامة الأهم هي أن يصل قلبكِ إلى مرحلة الرضا التام والتسليم المطلق لمشيئة الله، حتى لو لم يتحقق ما دعوتِ به. تشعرين عندها بالسكينة والاطمئنان، وتدركين أن اختيار الله لكِ هو الأفضل دائمًا. هذا هو قمة التوكل، وهو الذي يجلب الراحة لقلبكِ. قال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].
فيا ابنتي، استمري في دعائكِ، وألحِّي على الله، ولكن اجعلي دعاءكِ دائمًا مقرونًا بالتسليم والرضا. قولي: «اللهم إن كان خيرًا لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسِّره لي، وإن كان غير ذلك، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به». هذا الدعاء هو جوهر الاستخارة، وهو يجمع بين الطلب والتوكل.
وتذكري دائمًا أن الله أرحم بكِ من نفسكِ، وأعلم بمستقبلك وما فيه خيرك وصلاحك. قد تحبين شيئًا وهو شر لك، وقد تكرهين شيئًا وهو خير لك. قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
وختامًا -يا ابنتي الغالية- لا تدعي القلق يتسلل إلى قلبكِ. أنتِ على خير ما دمتِ تتوجهين إلى الله بقلبكِ ودعائكِ. ثقي تمام الثقة بحكمة الله وعلمه ورحمته. استمري في دعائكِ، واجتهدي في طاعتكِ، وتوكلي على ربكِ حق التوكل، وسيرزقكِ الله من فضله ما يُقر عينك ويشرح صدرك.
أسأل الله أن يرزقك الزوج الصالح الذي يعينك على طاعته، ويسعدك في الدنيا والآخرة. آمين. وتابعينا بأخبارك.