الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 4658
26/04/2026
ابني التزم دينيًا مؤخرًا وأصبح يرى أن كل ما في البيت حرام؛ يرفض الجلوس معنا أمام التلفاز، وينتقد لبس أخواته بحدة، بل وصل الأمر إلى تبديع والده لأنه يعمل في بنك تجاري. تحول البيت إلى ساحة معركة باسم الدين. كيف نوجهه ليكون هينًا لينًا دون أن يشعر أننا نحاربه في دينه؟"
مرحبًا بك أيتها الأم الفاضلة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وعلى حرصك على استقرار بيتك وصلاح حال ابنك. أسأل الله أن يقرَّ عينك بهداية ابنك، وأن يملأ بيتك سكينة وطمأنينة، وأن يوفقك وزوجك لما يحبه ويرضاه، ويصلح لكم النية والذرية، وبعد...
حماس البدايات
إن ما يمر به ابنك -أختي الكريمة- ظاهرة منتشرة عند المتدينين الجدد، تُعرف بـ«فورة التديُّن» أو «حماس البدايات». فالشاب في بداية طريق التدين قد يغلب عليه الخوف والغيرة على الدين؛ لكنه يفتقر إلى العلم والحكمة؛ كما أنه يرى نفسه وكأنه نجا من هلاك وغرق، ويريد سحب من حوله جميعًا معه إلى الشاطئ؛ لكنه لصغر سنه وقلة تجربته، يسحب بقسوة قد تكسر العظام بدلًا من أن تنقذ الأرواح.
الاعتراف بالحق والوعد بالإصلاح
أحيانًا تكون قسوة الابن نابعة من شعوره بأن أهله في غفلة، أو أنهم يعاندون الحق الذي استبان له مؤخرًا. لذا، فإن أقصر طريق لكسر حدته وتأليف قلبه وتعديل سلوكه هو ممارسة شجاعة الاعتذار عما هو مقطوع بتقصيركم فيه شرعًا.
فعندما يرى الابن أن والديه يعترفان بالخطأ ولا يبرران المعصية، سيزول شعوره بأنه في حرب معكما، وسيتحول من مهاجم إلى محب مشفق.
يقول الله -تعالى- في وصف عبادٍ استحقوا عفوه باعترافهم: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 102]. ويقول النبي ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» [رواه الترمذي].
فاجلسوا معه جلسة مصارحة هادئة، وقولوا له بصدق: «يا بني، نحن نعترف أن لدينا تقصيرًا في كذا وكذا من أمور الدين التي لا خلاف عليها، ونحن نحب الله ورسوله، ونشكر لك غيرتك علينا وحرصك على نجاتنا. نحن لسنا في معركة ضدك؛ بل نحن في طريق واحد، فساعدنا بلينك لا بقسوتك، ونعدك أننا سنجتهد في إصلاح أنفسنا والاستدراك فيما فاتنا».
تخيلي لو أن ابنًا انتقد والدته على تقصير في صلاة أو حجاب، فقالت له: «أنت على حق، جزاك الله خيرًا لأنك نبهتني، أستغفر الله وأتوب إليه، ادعُ لي يا بني بالثبات». هذا الرد سيُسقط السلاح من يد الشاب فورًا، ويهدِّئ ثورته وانفعاله وتمرده، ويجعله يشعر بالخجل من نفسه إذا استمر في حدَّته؛ بل وسينظر إليكم بعين الإجلال لأنكم معترفون بالحق، لا منكرين له.
إن اعترافكم بالتقصير ليس ضعفًا؛ بل هو قوة إيمانية وذكاء تربوي، فهو يغلق أبواب الشيطان الذي يوسوس له بأنكم أعداء للدين، ويفتح أبواب التوبة والتعاون على البر والتقوى داخل بيتكم.
الرفق مفتاح القلوب المغلقة
يجب أن نُذكِّر الابن -بأسلوب هادئ وفي وقت صفاء- أن الدين ليس مجرد أوامر ونواهٍ، بل هو مع ذلك خُلُق وآداب. وأن القسوة التي يمارسها الآن قد تكون هي الحائل بينكم وبين الالتزام الذي يتمناه لكم.
يقول الله -عز وجل- لنبيه ﷺ وهو أتقى الخلق: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِك﴾ [آل عمران: 159].
ويقول النبي ﷺ: «إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَهُ» [رواه مسلم].
فقولي له بدايةً: «يا بني، نحن نحب دينك ونفرح بالتزامك، ولكننا نخشى أن تنفِّرنا من الدين والحق بأسلوبك. فكن أنت القدوة التي تجعلنا نحب ما أحببت».
البر واجب ومُقدَّم
يجب أن يفهم ولدك أن تبديع والده أو معاملته كعاصٍ بسبب عمله في بنك تجاري هو خطأ شرعي فادح. فحتى لو افترضنا وجود شبهة شرعية في العمل، فإن حق الوالد في الإسلام عظيم ولا يسقط بالمعصية، فكيف بما هو محل اجتهاد أو تأويل؟!
لقد أوصى الله بالمصاحبة بالمعروف للوالدين المشركين اللذين يحاولان إخراج ابنهما عن التوحيد: ﴿وَإِن جَاهَدَاك عَلَىٰ أَن تُشْرِك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [سورة لقمان: 15]. فإذا كان هذا في حق من يأمر بالشرك، فكيف بوالد يسعى على رزق أولاده؟!
الشدة تولِّد العناد
أما عن انتقاد ولدك للباس أخواته بحدة، فإنه -لا شك- يولِّد لديهن ردَّ فعل عكسيًّا، بالرفض والعناد. فالحجاب عبادة قلبية قبل أن تكون مظهرية، وإجبارهن عليه دون اجتهاد في إقناعهن بفرضيته، يخرِّج منافقات يلبسنه خوفًا ممن أجبرهن عليه ما دام حاضرًا، ويخلعنه في غيبته، أو بعيدًا عنه، بينما نحن نريد مؤمنات تقيات عفيفات، يطعن الله ورسوله قبل أن يطعن أحدًا من البشر.
فوجِّهيه إلى البدء بمدح أخواته أولًا، وتقديم الهدايا لهن، والاقتراب منهن كأخ وصديق، ثم ينصحهن بلين، على أن تشاركيه أنت ووالده هذا النصح ومحاولة الإقناع؛ بل وأمرهن به من منطلق القوامة والتربية.
البحث عن القدوة والصحبة الراشدة
إن من أخطر ما يواجه الشاب في بداية التزامه هو الانعزال الفكري؛ حيث يستقي أحكامه من مقاطع عابرة على الإنترنت أو من أشخاص يملكون الحماس ويفتقرون لعمق الفقه. لذا، فإن أعظم هدية تقدمونها له هي ربطه بـ«بيئة صالحة» وبـ«عالم رباني» يجمع بين قوة العلم وسماحة الأخلاق.
يقول الله -تعالى- مؤكدًا على أثر الصحبة: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة الكهف: 28]. ويضرب النبي ﷺ مثلًا بليغًا لأثر الجليس، فيقول: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والسَّوْءِ، كَحامِلِ المِسْكِ ونافِخِ الكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وإِمَّا أنْ تَبْتاعَ منه، وإِمَّا أنْ تَجِدَ منه رِيحًا طَيِّبَةً» [رواه البخاري].
فابحثوا عن داعية أو طالب علم في محيطكم يتميز بالاتزان والقبول، ممن يجمع بين التمسك بالدين وبين فقه الواقع والرفق بالناس. حاولوا ترتيب لقاءات غير مباشرة معه، ليرى ولدك نموذجًا للتدينٍ الناضج.
يُروى أن شابًّا كان متشددًا في إنكاره، فصاحبَ عالمًا فقيهًا، فخرجوا يومًا ورأى الشاب رجلًا يعصي الله، فأراد أن يزجره بغلظة، فأوقفه العالم وقال له: «يا بني، أرأيت لو كان هذا الرجل مريضًا بجسده، أكنت تضربه أم ترحمه وتداويه؟» قال: بل أداويه. قال: «فكذلك العاصي، مريض الروح، يحتاج منك الدواء لا العقاب».
إن وجود معلم حكيم في حياة ابنك سيعلمه أن الدين ليس معركة ضد الأهل والمجتمع؛ بل هو بناء يُشيَّد بالحب والرحمة، وسيرى بعينه أن هؤلاء العلماء الذين يجلُّهم هم أكثر الناس برًّا بآبائهم ولطفًا مع أخواتهم.
الدعاء المستمر:
إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. فادعي له في سجودك: «اللهم فقهه في الدين، وعلِّمه الحكمة، وألِن قلبه علينا».
وختامًا أيتها الأم الفاضلة، اصبروا عليه، واحتووه بالحب، ولا تشعروه أنكم أعداء لالتزامه، بل شركاء له في الرغبة في دخول الجنة. ومع الوقت، وبزيادة علمه ونضجه، سيعلم أن الدين المعاملة، وأن أقرب الناس مجلسًا من النبي ﷺ يوم القيامة أحسنهم أخلاقًا.
حفظكم الله وبارك فيكم.
روابط ذات صلة:
أحكامالشريعة الإسلامية بين الرحمة والعدل