كيف أنقذت الحضارة الإسلامية أسراها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : تاريخ وحضارة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 155
  • رقم الاستشارة : 4486
03/04/2026

كيف تعاملت الحضارة الإسلامية مع أسراها لدى الأعداء هل تركتهم لمصيرهم أم سعت لإخراجهم؟

الإجابة 03/04/2026

أخي الكريم، تألمنا جميعًا عقب إقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وهو ما يهدد حياة آلاف الأسرى المعتقلين في السجون الإسرائيلية.

 

ولعل اقتصار الرد العربي والدولي عند حدود الإدانة لهذا التشريع العنصري النازي، دون التحرك لمنع تنفيذ هذا القانون، يعيد تذكيرنا بجهود الحضارة الإسلامية لفكاك أسرى المسلمين الذين كانوا يقعون في قبضة الأعداء، وكيف بذل المسلمون جهودًا مضنية ومكلفة لفكاك هؤلاء من جحيم الأسر.

 

فكاك الأسرى

 

فكاك الأسرى في الحضارة الإسلامية كان واجبًا شرعيًّا دينيًّا وحقًّا إنسانيًّا للأسرى على المسلمين، ولذا اعتبره علماء الشريعة من فرض الكفاية، أي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد وقع الإثم على الجميع، وكان تحركهم ينطلق من الحديث الشريف الذي وضع الإطار الشرعي والسلوك السياسي الدبلوماسي بل والعسكري للمسلمين في هذا الجانب؛ ففي الحديث الشريف "فكوا العاني"، والعاني هو الأسير.

 

وأمام هذا التوجيه النبوي الشريف تنوعت أساليب المسلمين وتحركاتهم في هذا الجانب، ما بين الفداء بالمال ودفع الفدية إنقاذًا للأسرى، أو عمليات المبادلة للأسرى المسلمين بأسرى آخرين كانوا في حوزة المسلمين، كذلك أوجد بعض الخيرين من المسلمين أوقافًا لفكاك الأسرى، كما وجدت مؤسسات في المجتمع المسلم مهمتها فكاك الأسرى، وظهرت طبقة في بعض المجتمعات المسلمين وبخاصة في الأندلس عرفت باسم "الفكاك"، وهؤلاء كان وظيفتهم فكاك الأسرى، وكانت مصدرًا لدخلهم وثرائهم في بعض الأحيان.

 

وقف الأسرى: عرفت الحضارة الإسلامية هذا النوع من الأوقاف، وكانت له مؤسساته المالية والإدارية، وكانت مهمته فدية الأسرى وتخليصهم من أيدي الأعداء، ووصل هذا النوع من الوقف ذروته في العصر المملوكي، ومن الأوقاف التي عُرفت في تلك الفترة وقف "القاضي الفاضل" عبد الرحيم بن علي البيساني، وكان من أعلام الكتاب في العصر الأيوبي، ووزيرًا مقربًا من الناصر صلاح الدين الأيوبي، حيث أوقف القاضي الفاضل ريعًا كبيرًا من أرضه لفكاك الأسرى.

 

وقد عرف العصر المملوكي ديوانًا لأوقاف الأسرى يخضع لإشراف قضائي سمي "ديوان الأسرى"، وكان ينفق ريعه على فكاك الأسرى، وفي دراسة مهمة للمؤرخ "محمد أحمد الكردوسي" بعنوان "ديوان الأسرى في دمشق زمن المماليك" يكشف عن تلك الجهود في منطقة واحدة وفي عصر واحد، فكانت أسماء الأسرى يتم حصرها، وأماكن وجودهم، وكيفية فكاكهم إما بالمال أو بالمبادلة.

 

ويلاحظ أن الخطاب الديني في تلك الفترة أظهر اهتمامًا كبيرًا بالحديث عن الأسرى وضرورة فكاكهم وتوفير الأموال والأوقاف لذلك، واعتبر فداء الأسرى من أفضل القربات لله تعالى، ومن الأحداث التي ذكرها المؤرخون أنه في شهر جمادى الأولى من عام (664هـ) أي في السنة التالية لظهور الديوان في دمشق، تم فكاك عدد كبير من الأسرى من الرجال والنساء والأطفال، والطريف أنه تم فكاكهم بمال الأوقاف.

 

والشيء اللافت في هذا الجانب هو الرعاية التي أبداها الوقف لهؤلاء الأسرى عقب حصولهم على حريتهم، إذ تقول الرواية التاريخية إن "النساء سيرت إلى دمشق ليزوجهن القاضي من أكفائهن"، أي أن مسؤولية الوقف عن الأسير امتدت إلى ما بعد حصوله على حريته، وهو توفير أساس لحياة كريمة في ظل الحرية والإسلام، وتحصلت النساء على رعاية أكبر من خلال تعويضهن بأزواج، وأن يتم الزواج على يد القاضي كنوع من التشريف والتكريم لهن.

 

ومن روائع تلك الفترة التي نشط فيها ديوان الأسرى، أنه في حال نفاذ المورد المالي لفكاك الأسرى، في سنة معينة، ووجود فرصة لفداء عدد من أسرى المسلمين، أجازت فتاوى بأن للديوان أن يستدين أموالاً للقيام بفداء الأسرى ثم يردها عندما تتوفر له موارد مالية لذلك.

 

أخي الكريم، هذه صفحة واحدة فقط من جهود عظيمة في الحضارة الإسلامية في رعاية أسرى المسلمين، وإيجاد السبل ليحصلوا على حريتهم ويحافظوا على حياتهم، وسيكون لنا حديث عن جانب آخر مشرق لحضارتنا في هذا المضمار.

 

موضوعات ذات صلة:

فكاك الأسير واجب شرعي.. نداء الشريعة وصرخة الضمير

حقوق الأسرى بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي

معاملة الأسير.. بين النظم الغربية والنظام الإسلامي

الرابط المختصر :