الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : تربوية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
579 - رقم الاستشارة : 1553
08/04/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
د. أميمة، أنا أمٌّ لأول مرة، وطفلي يبلغ من العمر ثلاث سنوات. هو - والحمد لله - طبيعي جدًا في نموه الجسدي والعقلي، ويتحدث ويلعب بشكل جيد، ولكن هناك أمر يؤرقني كثيرًا ويصيبني بالقلق والحزن:
طفلي كثير الوقوع أثناء مشيه أو لعبه، يسقط كثيرًا حتى في الأماكن الآمنة نسبيًا. أحيانًا يكون السبب واضحًا كالركض أو الانشغال، وأحيانًا أخرى يسقط بلا سبب واضح.
أشعر بالعجز حين أراه يقع، وأخشى عليه من الأذى، فأُسرع إليه وأحتضنه وأمنعه من اللعب أحيانًا. لا أعرف إن كان هذا طبيعيًّا في عمره، أم أنه مؤشر على مشكلة ما.
هل تصرفي سليم حين أُسرع إليه وأمنعه من اللعب أحيانًا؟ وكيف أُربي نفسي قبل أن أُربيه حتى لا أُربّي الخوف فيه من الحياة؟
أرجو من حضرتك التوجيه والنصح، فقلبي لا يحتمل رؤيته يتألم، وعقلي حائر بين خوفي عليه ورغبتي في أن يكون قويًّا وحرًّا في حركته ونموه.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
مرحبًا بكِ أيتها الأم الحنون، ومبارك لكِ هذه النعمة الغالية، نعمة الأمومة، وهي نعمة عظيمة لكنها أيضًا مسؤولية جليلة تتطلب منكِ مزيجًا من الحنان والحكمة.
بدايةً، فإن ما وصفته من كثرة وقوع طفلكِ -على الرغم من نموه الطبيعي- هو أمر شائع في هذه المرحلة العمرية، ولا يدعو للقلق غالبًا.
في علم النفس التربوي يُعرف هذا العمر بمرحلة صقل المهارات الحركية، والتي تتميز فيها أجساد الأطفال بالنشاط والحيوية، ولكن أدمغتهم لا تزال تطوّر قدرتها على التوازن والتنسيق الحركي.
لذلك فإن الوقوع المتكرر هو جزء من التجربة، ومن التعلم الحركي الطبيعي، بل هو وسيلة الطفل لفهم جسده وحدود قدرته، وهذا ما يُعرف بمفهوم "learning by trial and error" أي التعلم من خلال المحاولة والخطأ، وهو من أعمدة النظريات البنائية في التعلم.
لكن التحدي الأكبر في هذه المرحلة، ليس في عدد مرات وقوع الطفل، بل في رد فعل الأم، وهنا اسمحي لي أن أقول لكِ بلطف:
إن خوفكِ الفطري عليه مفهوم، لكنه إن تُرجم إلى حماية زائدة، فإن ذلك قد يؤدي إلى ما يُعرف نفسيًّا بـ Learned Helplessness أي "العجز المكتسب"، حيث يتعلم الطفل أن العالم مكان خطير، وأنه ضعيف، وغير قادر على المواجهة بمفرده.
في المقابل، فإن إظهار دعم الاستقلالية بشكل آمن، هو المنهج الأفضل تربويًّا، وهو الذي يُعزّز ما يسمي بـ"المرونة النفسية"، وهي القدرة على النهوض بعد السقوط - حسيًّا ومعنويًّا.
قال الإمام عليٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "ربُّوا أبناءكم لزمان غير زمانكم."
ونحن اليوم نُربّي أطفالًا في زمن سريع الحركة، يحتاجون فيه إلى الثقة بالنفس، والاعتماد على الذات، وقوة الإرادة. وكل ذلك لا يُبنى إلا من خلال التجربة، والسقوط، والقيام مرة بعد مرة.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير."
فهل هناك وسيلة لبناء القوة دون المرور بلحظات ضعف؟ وهل يُمكن تعلُّم التوازن دون أن نختل أولًا؟
* ونصائحي لكِ هي:
1- أن تُراقبي طفلكِ عن بُعد، ولا تغفلي عنه بشرط، أن تتركي له فرصة الحركة والاستكشاف، دون تدخل مباشر إلا عند الضرورة.
2- حين يسقط، لا تُسرعي إليه دومًا، بل ابتسمي، وقولي له بتشجيع وثقة: "أنت قوي، تستطيع أن تقوم وحدك. جرّبت وسقطت، والآن ستقوم وتتعلّم."
3- اجعلي تعبير وجهكِ مطمئنًا، ونبرة صوتكِ هادئة، فهذا سينتقل إليه تلقائيًّا.
4- ومن الأفضل أيضًا وحتى يطمئن قلبك، أن تقومي بعرضه على طبيب أطفال.. ويحبذ أن تتابعي معه كل فترة، لكل ما يخص صحة طفلك ومراحل نموه وحركته، والأغذية المفيدة والصحية اللازمة له، والفيتامينات التي يحتاجها جسمه في كل مرحلة.
* همسة أخيرة لحبيبتي الأم الصغيرة:
تذكّري أن التربية ليست حماية من الحياة، بل إعدادٌ للحياة.
وفقكِ الله، وثبّت قلبكِ، وأعانكِ على أمانة الأمومة، فهي من أعظم رسالات الوجود.