فروق أسعار وعمولات التحويلات البنكية.. عمل مشروع أم ربا محرم؟

Consultation Image

الإستشارة 21/06/2026

ما حكم فروق أسعار العملات التي تفرضها شركات الصرافة الدولية عند تحويل المغتربين الأموال لعائلاتهم؟ وهل تدخل هذه الرسوم تحت باب "الربا" أم "أجرة الوكالة"؟

الإجابة 21/06/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، فقد أصبحت الحوالات المالية الدولية عصب حياة ملايين العائلات، ووسيلة أساسية يستخدمها المغتربون لإيصال النفقة والأموال إلى ذويهم. ونظراً لأن هذه العمليات تجري عبر مؤسسات مصرفية وشركات صرافة دولية تقوم بتبديل العملات من عملة بلد الاغتراب إلى عملة بلد الاستلام وتتقاضى مقابل ذلك رسومًا إضافية وتعتمد أسعار صرف قد تختلف عن السعر الرسمي المعروض في البورصات العالمية، ثار التساؤل الفقهي حول طبيعة هذه "الفروق والرسوم"، وهل تُخرّج على أحكام الصرف الشرعي والوكالة بأجر، أم تدخل في مظنّة الربا المحرم؟ وتأتي هذه الفتوى لبيان التأصيل الشرعي لهذه المعاملة المعاصرة.

 

اختصارًا: فروق أسعار العملات ورسوم التحويل جائزة شرعًا وليست من الربا، شريطة أن يتم قبض العملة المحولة في مجلس العقد حكمًا عبر قيدها في دفاتر الشركة وصيرورتها في ضمانها حتى تسليمها للمستفيد. والمعاملة مركبة من عقدين مشروعين عقد صرف وهو بيع عملة بعملة أخرى ويجوز فيه للشركة أن تبيع العملة بسعر الصرف الذي ترتضيه وتحدده بناءً على العرض والطلب وهامش ربحها الخاص، ولا يجب عليها الالتزام بسعر البورصة العالمي؛ لأن العملات الورقية أجناس مختلفة يجوز فيها التفاضل بشرط القبض ولو حكمًا، وعقد إجارة ووكالة وهي الرسوم المقطوعة التي تتقاضاها الشركة مقابل الخدمات التي تقوم بها واستخدام شبكاتها الإلكترونية والموظفين والمكاتب وغيرها، لإيصال المال إلى المستفيد.

 

أولاً: التأصيل الفقهي لـ "الصرف" والتقابض الحكمي

 

وضع الفقهاء القواعد الأساسية لتبادل العملات الذهب والفضة، وقرروا أن اختلاف الجنس يبيح تفاضل فروق السعر لكن يشترط له التقابض، جاء في "المغني" لابن قدامة المقدسي: “إذا بيع الذهب بالوَرِق (الفضة) متفاضلاً جاز بالإجماع، نقدًا يدًا بيد... ولا يجوز النَّساء (التأجيل) فيه".

 

وعليه، فإن فروق الأسعار بين العملات الورقية المعاصرة كالريال والدولار والجنيه جائزة؛ لأنها أجناس مختلفة، لكن الإشكال المعاصر في الحوالات هو "تأخر الاستلام باليد" لعدة ساعات أو أيام، وهو ما يسره الفقه المعاصر تحت مسمى "التقابض الحكمي"، أي أن تدخل الأموال في حساب المستفيد ولو لم يقبضها قبضًا فعليًّا.

 

ثانيًا: فتاوى الهيئات والمجامع الفقهية المعاصرة

 

درس العلماء المعاصرون آلية عمل شركات الصرافة وتغير الأسعار، وفصلوا في تكييفها بين الصرف والوكالة:

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي:

 

جاء في قراره رقم 54 5/6 بشأن أحكام العملات الورقية والتقابض فيها:

 

"إن قيد المبلغ في حساب العميل أو تسليم الشيك أو الحوالة يعتبر تقابضًا حكميًّا تبرأ به الذمة... ويجوز لشركات الصرافة والمصارف أن تبيع العملات بأسعار يتفق عليها الطرفان، وتتقاضى عمولة عن أجر خدمات التحويل، لأنها وكالة بأجر".

 

فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية:

 

سُئلت اللجنة عن رسوم التحويل وفروق الصرف المجلد 13، الفتوى رقم 18456، فأجابت:

"أخذ البنك أو الصراف عمولة مقابل تحويل العملة إلى بلد آخر جائزة، وتعتبر هذه العمولة أجرة على التحويل وكالة، وأما أخذ فرق السعر بين العملتين فهو جائز أيضًا؛ لأن العملة المراد تحويلها تباع بعملة البلد المحول إليه، والعملات الورقية تختلف في قيمتها وأجناسها، فيجوز التفاضل بينها عند البيع والشراء لقوله ﷺ: فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد".

 

المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية AAOIFI:

 

نص "المعيار الشرعي رقم 1 بشأن الصرف" و"المعيار رقم 23 بشأن الوكالة":

 

"يجوز للمؤسسة أن تجمع بين الصرف وإصدار حوالة بمبلغ العملة المشتراة ليتسلمه العميل أو المستفيد في بلد آخر، وتستحق المؤسسة أجر الوكالة على تنفيذ الحوالة، كما يجوز لها ربح الصرف الناتج عن تفاوت أسعار العملات".

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

تخضع هذه المعاملة لعدد من القواعد الفقهية والشرعية الكلية ومنها:

 

قاعدة: الأصل في العقود والمعاملات الإباحة والحل:

 

تنبثق من قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}. فما دامت المعاملة تحقق مصلحة المغتربين وأهاليهم، وخلوها من الغش أو ربا النسيئة بلا تقابض حكمي، فإن تحديد السعر والرسوم يخضع للتراضي الحُر بين الشركة والعميل.

 

قاعدة: التقابض الحكمي يقوم مقام التقابض الحقيقي:

 

تُطبق هذه القاعدة في المعاملات المالية المعاصرة؛ إذ يعتبر تسجيل الحوالة إلكترونيًّا وإعطاء العميل رقم الحوالة أو سند القبض قيدًا للمال في ضمان الشركة، وهو قبضٌ حكمي يسقط شرط "يدًا بيد" اللفظي ويمنع وقوع ربا النسيئة بالرغم من تأخر الاستلام المادي في بلد الوصول.

 

قاعدة: الإجارة على العمل مآلها جواز أخذ الأجرة:

 

تُكيف الرسوم المقطوعة على أنها "أجر وكالة" أو "جعالة" لقاء خدمة معلومة وهي نقل المال وضمان وصوله، والشارع أباح الجعالة والإجارة لدفع الحاجة والمشقة عن الناس؛ إذ لا يلزم الشركات تقديم خدمات النقل والتأمين والربط الإلكتروني مجاناً. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حكم اجتماع عقدي الصرف والحوالة في التحويلات البنكية

حكم تحويل المال بعملة محددة ثم تسليمه بعملة أخرى مع التأخير

الرابط المختصر :