فتاوى الإنترنت واغتيال الثقة.. كيف أميز بين الصحيح والمزيف؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : الدعوة الإلكترونية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 15
  • رقم الاستشارة : 4688
26/04/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب عمري ٢٥ سنة، أتابع مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة، وأشعر بالحيرة والارتباك مما أراه من فتاوى متضاربة وأقوال منسوبة للعلماء في مختلف المواقع والصفحات.

في بعض الأحيان أرى منشورًا يتضمن فتوى غريبة عن عالم معروف، وفي اليوم التالي أرى رداً على هذه الفتوى من عالم آخر بكلمات قاسية، وأحياناً يصل الأمر إلى التكفير والتبديع.

انتشـرت بين أصدقائي حالة من الشك وعدم الثقة في كل من نسمع له، حتى أصبح البعض يقول "كل العلماء كذبة" أو "كلهم على هواهم".

أنا أحترم العلماء وأريد أن أتمسك بديني، لكن هذه الأراجيف التي تُنشـر عنهم جعلتني في حيرة من أمري.

كيف أميز بين الصحيح والمزيف؟

وكيف أحصن نفسـي من الانزلاق إلى دائرة الطعن في العلماء والمرجعيات الدينية؟

وما واجبي تجاه أصدقائي الذين فقدوا الثقة في كل شيء؟

الإجابة 26/04/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الشاب المتمسك بدينه، وجزاك الله حرصك على سلامة عقيدتك وفهمك لدينك.

 

إن ما تمر به ليس حالة فردية، بل هو وباء خطير أصاب الأمة في زماننا، وهو ما يمكن تسميته بـ"فتوى الإنترنت" أو "اغتيال الثقة بالمرجعيات"؛ حيث تحولت منصات التواصل إلى ساحات مفتوحة يتحدث فيها كل من هب ودب باسم العلم والدين، وتُبث الأراجيف المسمومة ضد العلماء والدعاة المخلصين.

 

أول ما ينبغي أن تستحضـره أيها الشاب الكريم أن النيل من العلماء والطعن فيهم ليس وليد هذا العصـر، بل هو أسلوب قديم استخدمه أهل الباطل ضد الأنبياء والمرسلين. فقد أشاع قوم نوح عليه السلام أنه يطلب الزعامة واتهموه بالجنون والضلال، وقال قوم هود عليه السلام أنه أصابه السفه والطيش، واتهم فرعون موسى عليه السلام بالسحر، وشككت شائعات كاذبة في بنوة ونبوة عيسى عليه السلام واتهموا أمه الطاهرة، بل إن نبينا محمدًا لم يسلم من هذه الأراجيف في مراحل دعوته المختلفة؛ فحكى لنا القرآن الكريم طرفًا من تلك الشائعات التي أثيرت عليه. فإذا كان الأنبياء – صلوات الله عليهم – قد ابتلوا بذلك، فمن باب أولى أن يبتلى به العلماء والدعاة المصلحون.

 

أما عن منهج التمييز بين ما يصدر عن العلماء حقًّا وما يلفق عليهم، فأقدم لك عدة قواعد عملية مستفادة من منهجنا في الأزهر الشريف:

 

أولاً: قاعدة التثبت والتبين:

 

وهذا هو الأمر الإلهي الذي افتتح الله به سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. فأي خبر يصل إليك منسوبًا لأحد العلماء، قبل أن تصدقه أو تنشره، يجب أن تتوقف وتتساءل: من أين صدر هذا الخبر؟ هل هو من مصدر رسمي معروف للعالم؟ هل يوجد الفيديو أو التسجيل الأصلي؟ هل الكلام المنسوب يتوافق مع ما يعرف عن هذا العالم من منهج راسخ في العلم والاعتدال؟ وقد علّمنا الإسلام أن (من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه).

 

ثانيًا: العودة إلى المنصات الرسمية:

 

لا تأخذ كلام العلماء من صفحات مجهولة المصدر أو قنوات مشبوهة. لكل عالم معروف له قنواته الرسمية – سواء على اليوتيوب أو فيسبوك أو تويتر – التي ينشر من خلالها علمه، كما أن هناك مؤسسات علمية راسخة كالأزهر الشريف ودار الإفتاء وهيئة كبار العلماء التي يمكن الرجوع إليها والوثوق بما يصدر عنها. أي قول منسوب لأحد العلماء يخالف ما هو منشور على هذه المنصات الرسمية، فلا يجوز تصديقه ولا نشره.

 

ثالثًا: قاعدة (من اتهم فعليه البينة):

 

لو جاءك أحد بنقل عن عالم في قضية معينة، فلا تقبل ذلك النقل إلا إذا أقام البينة والدليل على صحة نسبته. هذا هو العدل والإنصاف الذي أمر الله به: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}. فالعبث بسمعة العلماء وتشويه صورتهم ليس من العدل في شيء.

 

رابعًا: فهم قضية الاختلاف العلمي:

 

قد تختلف فتاوى العلماء في بعض المسائل الفرعية، وهذا الاختلاف سائغ معروف في تاريخنا الفقهي، ولا يجوز تحويله إلى معارك إعلامية تصل إلى التكفير والتبديع. وأي محاولة لتسفيه أقوال العلماء أو الطعن فيهم بسبب خلاف فقهي معين، فهذا من الأراجيف التي تهدف إلى تشتيت الأمة وزرع الفتنة بين أبنائها.

 

أما بالنسبة لواجبك تجاه أصدقائك الذين فقدوا الثقة في المرجعيات، فأشير عليك بعدة أمور:

 

أولاً: التأني في الحوار معهم وعدم مقاطعتهم أو توبيخهم، فإن مثل هذه الأمور تحتاج إلى حكمة ورفق. ابدأ بالاستماع إليهم وفهم أسباب شكوكهم، ثم حاول بلطف بيان الفرق بين من يطلب العلم على أصوله وبين من يتصدر للفتيا بغير علم.

 

ثانيًا: لا تحاول أن تجادلهم بشراسة، بل قدّم لهم النماذج المشرقة من علماء الأمة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدين، ووضح لهم أن الطعن في العلماء ليس بديلاً عن طلب العلم الجاد.

 

ثالثًا: قدّم لهم المواد العلمية الموثوقة من مصادرها الرسمية، وشجعهم على حضور الدروس والمحاضرات المباشرة للعلماء الثقات بدلاً من الاكتفاء بمشاهدة المقاطع المتفرقة.

 

ختامًا، أوصيك بملازمة الدعاء الذي كان النبي يستعيذ به من الفتن ما ظهر منها وما بطن، والإكثار من قول: "اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه".

 

واعلم أن الثبات على الحق في زمن كثرت فيه الشبهات والأراجيف هو من أعظم الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي: (إن من ورائكم أيام الصبر فيهن مثل قبض على الجمر). وأسأل الله العظيم أن يثبتك على الحق ويرزقك الفهم في الدين، وأن يرد كيد المفسدين في نحورهم، وأن يجمع قلوب المسلمين على الحق والهدى.

 

روابط ذات صلة:

درع الوعي.. استراتيجيات الداعية في تفكيك الأراجيف وحماية السلم النفسـي للمجتمع

كيف يحصّن الداعية وعي الجماهير ضد الفيديوهات المفبركة لبعض العلماء؟

لماذا يتم تشويه الرموز الإسلامية؟

الرابط المختصر :