الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
7 - رقم الاستشارة : 5074
15/06/2026
ما الحكم الشرعي والتوصيف الفقهي في واقعة وفاة شاب يُدعى القعقاع بن عنتر، كان معروفًا بقيامه بتسلّقات واستعراضات شديدة الخطورة في أماكن وعرة دون استخدام وسائل السلامة، مع علمه بخطورتها وغلبة الهلاك، حيث سقط أثناء أحد هذه الاستعراضات من داخل فوهة بركان خامد فأدى ذلك إلى وفاته؛ وهل يُعدّ فعله من باب إلقاء النفس إلى التهلكة أو يُصنَّف انتحارًا شرعًا، وما الضابط الفارق بين المجازفة المقصودة المفضية إلى الهلاك والحادث غير المتعمّد، وما أثر تكرار مثل هذه الأفعال في الحكم الشرعي، وما التوجيه الشرعي والتربوي الواجب بيانه للناس، ولا سيما الشباب، في زمن تنتشر فيه هذه الممارسات بدافع المحتوى والترند؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن حفظ النفس الإنسانية
وصيانتها هو إحدى الضرورات الخمس الكبرى التي اتفقت عليها الشرائع السماوية كلها
وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. وقد أحاط الإسلام حياة الإنسان بسياج
متين من الأحكام والتشريعات التي تحرم الاعتداء عليها أو التهاون في حمايتها. وفي
هذا العصر، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وظاهرة السعي وراء الشهرة وصناعة
المحتوى الرقمي، ظهرت ممارسات سلوكية غريبة وشديدة الخطورة، يقوم فيها بعض الشباب
بمغامرات وتسلّقات شاهقة ووعرة دون أدنى استخدام لوسائل السلامة والأمان.
وإن واقعة وفاة الشاب "القعقاع بن عنتر" -رحمه
الله وعفا عنه- إثر سقوطه من فوهة بركان خامد أثناء استعراض خطير، تستوجب بيانًا
فقهيًّا تأصيليًّا يوضح الأحكام الشرعية المحيطة بهذه النوازل، ويضع الضوابط
الفاصلة بين الحادث العارض وبين إهلاك النفس عمدًا، زجرًا للناشئة وحماية
لأرواحهم.
اختصارًا: فعل هذا الشاب بالتسلق في أماكن شديدة الوعورة كفوهات البراكين أو قمم
الأبراج مع علمه المسبق بخطورتها وغلبة الهلاك فيها، ودون اتخاذ أسباب السلامة،
يُعدّ محرمًا شرعًا وعصيانًا يأثم فاعله؛ لما فيه من إلقاء النفس إلى التهلكة
وتفريط متعمد في حفظ النفس المأمور به شرعًا.
لكن هل يُعدّ انتحارًا؟ من الناحية الفقهية الدقيقة، لا
يُصنف هذا الفعل "انتحارًا"؛ لأن المنتحر يَقصد عمدًا إهلاك نفسه وإنهاء
حياته زهدًا فيها أو جزعًا، وهذا على الرغم من مجازفاته كان يرجو النجاة ويحرص
عليها، بل يُصنف على أنه "مخاطرة مفضية إلى الهلاك"؛ لأن قصد الشاب كان
الاستعراض وإظهار المهارة لا الموت، لكنه ارتكب سببًا قطعيًّا أو غالبًا في إهلاك
نفسه، فحكمه حكم العاصي المفرط الواقف على حد الهلاك.
وسعي الشاب للتكسب المالي من وراء هذه الاستعراضات عبر
الإعلانات أو المشاهدات لا يغير التكييف الفقهي بالتحريم بل يزيده حظرًا؛ لأن
المال في الإسلام لا يجوز أن يكون ثمنًا لإهلاك النفس، والتكسب من الحرام حرام.
والفارق بين المجازفة المحرمة والحادث غير المتعمّد هو
"غلبة الظن والتهاون في الأسباب". فإذا كانت المخاطرة غير محسوبة ونسبة
الهلاك فيها غالبة مع غياب وسائل الأمان، فهي تهلكة محرمة. أما إذا اتخذ الإنسان
أسباب السلامة المعتادة وسلك طريقًا مشروعًا ثم وقع الحادث، فذاك قضاء وقدر لا إثم
فيه.
أولاً: نصوص العلماء قديمًا في التغرير بالنفس والمخاطرة
الشديدة
اتفق الفقهاء قديمًا على أن ركوب المخاطر التي يغلب
عليها الهلاك دون مصلحة شرعية راجحة هو أمر محظور ومحرم، ومن ذلك:
ما جاء في كشاف القناع للإمام البهوتي الحنبلي:
"وَمَنْ طَلَبَ صَيْدًا بِإِلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي
مَهْلَكَةٍ، أَوْ طَلَبِ نُزْهَةٍ بِذَلِكَ: حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ مُضَيِّعٌ
لِنَفْسِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
التَّهْلُكَةِ}" كشاف القناع عن متن الإقناع، 6/186.
وأيضا ما نقله الإمام القرطبي المالكي في تفسيره:
قال في تفسير آية التهلكة إن العلماء قالوا: "إنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَمَلَ عَلَى الْجَيْشِ
الْعَظِيمِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى نِكَايَةٍ، أَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي
بَحْرٍ هَائِجٍ، أَوْ صَعِدَ جَبَلًا وَعْرًا بِغَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ،
فَقَدْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ" تفسير القرطبي، 2/362.
الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي في الزواجر:
عدَّ المخاطرة بالنفس في الأسفار المخوفة أو الأمور
الوعرة من كبائر الذنوب إذا كانت عاقبتها الهلاك غالبًا، مستدلاً بقوله ﷺ: "مَنْ
بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ لَهُ حِجَارٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ
الذِّمَّةُ" رواه أبو داود. والحِجار هو السور، فإذا كان ترك السور يبرئ
الذمة، فكيف بتسلق البراكين؟
ثانيًا: فتاوى العلماء المعاصرين في ألعاب المغامرات
القاتلة:
أصدرت دور الإفتاء المعاصرة فتاوى واضحة تحرم الرياضات
والاستعراضات التي لا تُتخذ فيها وسائل الأمان وتكون نسبة الموت فيها عالية:
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية:
سُئلت اللجنة عن بعض الرياضات الخطرة والاستعراضات التي
تؤدي للموت كثيرًا، فأجابت:
"كل ما فيه خطر على نفس الإنسان، أو يؤدي إلى إتلاف
عضو من أعضائه، فإنه يحرم عليه تعاطيه، سواء كان ذلك رياضة أو استعراضًا؛ لأن
الأرواح والأبدان ملك لله تعالى، وليس للإنسان أن يتصرف فيها بما يضرها أو
يهلكها" فتاوى اللجنة الدائمة، المجلد 26.
القواعد الفقهية الحاكمة:
تتحكم في هذه النازلة جملة من القواعد الفقهية الكلية
المستقاة من أدلة التشريع:
قاعدة: "الضرر يُزال" و "لا ضرر ولا
ضرار"
دلّت هذه القاعدة على حرمة إدخال الضرر على النفس،
والتسلق بلا حبال أو وسائل أمان في أماكن وعرة هو إضرار محض بالنفس وجلب للهلاك،
والشرع جاء بمنعه وإزالته.
قاعدة: "المشقة تجلب التيسير.. بشرط ألا تكون مشقة
مستجلبة مفسدة"
الإنسان ممنوع من اختراع مشقات ومخاطر لا طائل منها،
فإذا استجلب الشاب الخطر بنفسه دون مبرر شرعي كالجهاد أو إنقاذ معصوم، بطلت رخص
التخفيف وأثم بالفعل.
قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد"
إذا كانت الوسيلة التسلق الوعر بلا أمان تفضي قطعًا أو
ظنًّا غالبًا إلى مفسدة الموت، فإن الوسيلة تأخذ حكم المقاصد وهو التحريم.
قاعدة: "ما أدى إلى الحرام فهو حرام"
تعريض النفس للموت حرام، والوقوف على حواف الشواهق
الشديدة بلا حماية يؤدي إليه غالبًا، فيكون الفعل حرامًا.
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال: هل كون هذا الشاب يتكسب
مالاً من هذه المغامرات عبر منصات التواصل يُخرج الفعل من حد العبث إلى حد
"طلب الرزق" فيتغير الحكم؟
والجواب الفقهي القطعي: لا، بل إن هذا التكسب يزيد الفعل
حرمة وقبحًا في ميزان الشريعة. والعلة في ذلك مبنية على الأسس التالية:
المال ليس مبررًا لإتلاف النفس:
فقد قرر الفقهاء أن النفس الإنسانية ليست محلاً للمذلة
أو المخاطرة من أجل المال.
قال الإمام ابن نجيم الحنفي في "الأشباه
والنظائر": "الآدمي مَكْرُومٌ شَرعًا وَلَوْ كَافِرًا، فَلَا يَجُوزُ
بَذْلُ نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ فِي مُقَابَلَةِ المَالِ" الأشباه والنظائر، ص
231.
وبناءً عليه، لا يجوز للإنسان أن يجعل من تعريض روحه
للتلف "مهنة" أو "وظيفة" يُدر من ورائها مالاً.
قاعدة "الغاية لا تبرر الوسيلة":
طلب الرزق مأمور به شرعًا، ولكن بشرط أن تكون الوسيلة
مباحة.
يقول الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين"
كتاب الحلال والحرام: "كلُّ مَا أُصِيبَ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ فَهُوَ
حَرَامٌ... فَمَنْ اكْتَسَبَ مَالاً بِمُخَاطَرَةٍ مَنْهِيٍّ عَنْهَا، أَوْ
بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَالْمَالُ الْمُسْتَفَادُ بِهِ سُحْتٌ وَحَرَامٌ" إحياء
علوم الدين، 2/92.
حكم تكرار الفعل:
تكرار الشاب لهذه الاستعراضات بنجاح في المرات السابقة
لا يمنحه غطاءً شرعيًّا، بل إن التكرار يؤكد الإصرار على المعصية؛ لأن استمرار
المرء في سلوك طريق الهلاك مع سلامته "اتفاقاً وبالمصادفة" في المرات
الأولى، لا يعني انتفاء صفة الخطر، بل هو استدراج وتجرؤ على حدود الله، حتى إذا
جاء القدر هلك على معصية الإصرار والتفريط.
التوجيه الشرعي والتربوي الواجب بيانه للناس
أمام هذه الفواجع التي يذهب ضحيتها شباب في مقتبل العمر
بدافع الشهرة وصناعة المحتوى وجلب المشاهدات، يجب توجيه النصائح التالية:
إلى الشباب: اعلموا أن حياتكم ليست ملكًا لكم، بل هي ملك لله، وأجسادكم أمانة
ستُسألون عنها. وإن قيمة المرء لا تُقاس بعدد المشاهدات الوهمية على الشاشات، بل
بما يقدمه من نفع حقيقي لدينه ودنياه. لا تبيعوا أرواحكم الغالية بثمن بخس من حطام
الدنيا الزائل.
إلى صناع المحتوى: اتقوا الله فيما تنشرون، فإن استعراض المخاطر يدفع المراهقين
والناشئة إلى محاكاتكم وتقليدكم، ومَن سَنَّ في الإسلام سُنة سيئة فإنه يحمل وزرها
ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. وإن دماء هؤلاء المقلدين معلقة برقاب من أغروهم
بطلب الشهرة الزائفة.
إلى أولياء الأمور والمجتمع: يجب ممارسة الرقابة اللصيقة والتوجيه المستمر
للأبناء، ومتابعة الاهتمامات الرقمية لهم، وملء أوقات فراغ الشباب بالأنشطة
النافعة الحقيقية كالتفوق العلمي، وبناء المهارات المهنية، والرياضات الآمنة
المنضبطة، حتى لا تبتلعهم شاشات الهواتف وتلقي بهم في فوهات المهالك. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
كيف تصنع جيلاً لا يسقط أسير «الترند»؟
الوعي الشبابي في فخ «التريند»!